بسم الله الرحمان الرحيم
سيدي من طالع في كلام السلف السابقين وعرف ما هم عليه من التقوى والفهم من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومن إقتدى أثرهم من السلف يجزم يقينا أنّه مدّعي في طريق الله تعالى قال شيخنا إسماعيل رضي الله عنه : ( لو كنت في زمن الجنيد وأضرابه لما إرتضوني أن أكون المشرف على دوابّهم ).
نعم وهو كذلك وإني أحسّ أخي تماما بما تحسّ أنت به.
ملاحظة : سيدي فارس إني أستغلّ هذه الفرصة لأكتب فيها ما قدّره الله تعالى من الكتابات لظنّي بأنّها فرص قلّما تعاد أو تعوّض وخاصّة بأنّ هذا الفقير الآن ببلاد تركيا وقد زرت سيدي سيّدنا أبا أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه وكذلك أكرمني الله تعالى بزيارة سيدي الشيخ عبد القادر عيسى الحلبي وتبرّكت بزيارتهما وقد دعوت لنفسي ولكم هناك ولجميع إخواني هناك فالحمد لله.
وإن شاء الله تعالى أزور سيدي أحمد التيجاني ذلك القطب الكبير رضي الله عنه متى سهّل الله لي ذلك في الأيّام القادمة , ويا سبحان الله : لمّا زار شيخنا رضي الله عنه فاس منذ سنوات وكان معه خادمه ولقد لحق بهم سيدي جلال فقير من فقراء فرنسا وما كتب الله لي الزيارة والإلتحاق بهم فأخبرني سيدي جلال بأن الشيخ قال وهو في مقام سيدي أحمد التيجاني رضي الله عنه : ( سنأتي يوما ما بفلان ( يقصدني ) إلى هنا ) وها إني أحسّ بأنّ هذا قريب التحقيق والله أعلم وأسأل الله أن يتحقّق هذا فإني أحبّ جميع أهل الله تعالى والله أعلم بغيبه سبحانه.
وبالله التوفيق ونمرّ إلى الجواب بحسب الوقت إلى السؤال الموالي بحول الله تعالى.
السؤال السابع عشر :
ذكرتم سيدي فيما سبق ( القاعد في الطريق المستقيم فكلّ مارّ منه لا بدّ أن يكون له نيّة الإخلاص لله وإلا إستزلّه الشيطان ) هذه قاعدة خطيرة جدا والسؤال هو :
كيف يكون الفقير مخلصا وقد اجتمعت عليه نفسه والشيطان والهوى وحب الدنيا , فما يجلب للعبد الاخلاص وماذا يفعل ان كان يشكو قلة الاخلاص اصلا ؟
الجواب والله أعلم :
سيدي الفاضل : إكتساب الفضائل وإجتناب الرذائل يتحقّق بالتربية والتزكية فإنّ الله تعالى ما ترك عباده من غير رعايته لهم بل تعاهدهم ولا يزال يتعاهدهم : تعاهدهم بقوله : (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).
فأعطاهم العقل وأمدّهم بالحواس الظاهرة والباطنة ثمّ أكرمهم ببعثة الأنبياء والرسل وبتنزيل الكتب ( خلق الإنسان علّمه البيان ) ( إقرأ وربّك الأكرم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم ).
قال تعالى ( و آتاكم من كلّ ما سألتموه ) أي قبل السؤال وحين السؤال وبعد السؤال فلم يترك عباده هملا ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) في المعنيين ( الظاهر والباطن ).
فالله تعالى إنّما سلّط الشيطان على بني آدم ليوحشهم إليه كما ذكر هذا في الحكمة سيدي بن عطاء الله السكندري رضي الله عنه أي لتفرّ منه وتحتمي بعالم النور فالسير لا يتحقّق إلا بمنازلة جنود النور لجنود الظلام وكذلك النفس فما سلّطها على الإنسان إلا ليفنى عنها في حضرة الرحمان فيفرّ منها ( ففرّوا إلى الله ) قال في الحكمة : ( لو لا ميادين النفوس ما تحقّق سير السائرين ) وسلّط على العبد محبّة الدنيا ليفرّ منها إلى الآخرة فيتحقّق سيره ( نعمت الدنيا مطيّة المؤمن ...) كما ورد في الحديث .
أمّا تسليط الهوى فليعلّمك كيف تفطم نفسك عنه في جميع المراتب وحتى ولو كنت عارفا بالله تعالى فلا تميل إلى مقامات ولا أحوال ولا علوم ولا معارف ولا حكم ولا رئاسة ولا لأيّة خصوصية ظاهرة أو باطنة هذا المقام الأعلى أمّا المقام الأدنى فلا تميلوا كلّ الميل ولا بدّ مع هذا من العدل ذلك المقام الذي هو لا يكون إلا عند مشائخ التصريف فمشائخ التصريف هم أهل العدل والإحسان.
فما سلّط الله على الإنسان الشيطان والدنيا والنفس والهوى إلا ليسري إليه ويفرّ منها إليه وهذه هي حكمتها.
وهذا يعطينا مشهد الحكمة على إطلاقه : فالحكمة الألهية مراتب للوصول إليه , أمّا مشهد العلم للقيام بحقّ الأدب بين يديه , والعلم والحكمة أخوان شقيقان وصديقان حميمان.
فالإخلاص سيدي : هو التوحيد بمفهومه التام لذا سمّيت سورة ( قل هو الله احد ) بسورة الإخلاص.
أمّا ضدّ الإخلاص : فهو الشرك , فالكون وما حواه متى نظر إليه بقلبه ميلا أو إعتقادا أو محبّة ففيه شبهة الشرك بالله تعالى :
والميل أقصد به أي ميلا مستقلاّ عن الميل إليه بالله تعالى وهذا لا يكون إلا في مقام البقاء حقيقة فنحن نميل إلى أهل الله تعالى ميلا لأنّهم أحباب الله فما ميلنا لهم لنفوسنا وإنما لله تعالى فمن مال إلى الكون بنفسه علويا أو سفليا ففيه بقية من الشرك.
لذا جعل علم السلوك والتزكية لنبذ هذا الخيال الذي سنتكلّم عنه في محلّه (وأن عالم الخيال هو هذا الوجود بأسره بنظر النفس ) فمتى نظرت النفس إلى هذا الوجود فنظرها باطل فوقعت في عالم الخيال وعالم الخيال هو عالم الباطل .فافهم.
أمّا نظر الروح إلى هذا الوجود فهو نظر حقّ لأنّ الروح لا يشاهد إلا الحقّ ( ونفخت فيه من روحي ) يعني إشارة.
فبالتسليك والتزكية والترقية من مقام إلى مقام يترقّى الإخلاص شيئا فشيئا ويتربّى شيئا فشيئا.
والإخلاص سيدي : هو أصل جميع المقامات فلا يصحّ مقام من المقامات أو حال من الأحوال إلا به فتتربّى جميع المقامات بمدد الإخلاص لذا دلّك على هذه الحقيقة لتنال كلّ شيء بأسرع وقت ( وأعبدوا الله مخلصين له الدين ).
لذا شمّر الشيوخ رضي الله عنهم سواعدهم في تربية هذا الإخلاص الذي هو سرّ الوجود ومفتاح الشهود فكانت المعركة فيه حامية الوطيس بينهم وبين الشيطان وزوجته النفس لتعرف قوله عليه الصلاة والسلام ( عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) ويقول قائلهم : ( هل للصوفية جهاد ) وأقول : ( وهل هناك غيرهم في ساحات الجهاد ) فإنّهم يقاتلون أئمّة الكفر وهل هناك إماما في الكفر مثل إبليس ونفس الإنسان.
فطريق الفقير أو أقول المؤمن من حيث أنّه مؤمن إلى الإخلاص هو طريق التزكية والتربية وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله تعالى : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ).
فهذه الآية تشمل درجات الإخلاص الثلاث : الإخلاص في مقام الإسلام , والإخلاص في مقام الإيمان , والإخلاص في مقام الإحسان ).
فليس إخلاص العامّة كإخلاص الخاصّة وليس إخلاص الخاصّة كإخلاص خاصّة الخاصّة فكيف بإخلاص رسول الله صلى الله عليه وسلّم ( والإخلاص هو التوحيد ).
فالإخلاص يرتقي بحسب مقام الفقير في التوحيد فكلّما حزت مقاما في الإخلاص ناداك المقام الذي بعده فحكمت على نفسك بالشرك في المقام الذي كنت فيه وهكذا إلى أن يقع لك التبرّي من إخلاصك وتتلوا قوله تعالى ( إلا عبادك منهم المخلصين ) بفتح اللام.
والتبرّي من الإخلاص هو التبرّي من شرك وجودك معه وكلّ المقامات سيدي تصبّ في هذه الحقيقة ولكن لا يتفطّن إليها إلا قليلا من العباد.
وبالنسبة للسالك يقع في جملة من الإختبارات في مقام الإسلام والإيمان والإحسان ليمتحن في إخلاصه أي في توحيده الحقّ وتوجّهه الصدق.
والإخلاص هو التبرّي من الحول والقوّة فلا تنسب لك شيء ولا تطمع في شيء إلا شيئا أباحه الله لك وما أباح لك في الطمع إلا غفران الذنوب , وغفران الذنوب هو الفناء ( ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ) فتعود وترجع إلى الكنزية.
كما قال شيخنا إسماعيل في قصيد له رضي الله عنه :
أبغي ثباتي في شهود بحر الذات *** أغنم أوقاتي رجوعي إلى الكنزية.
لذا قال تعالى ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ثمّ (وإستغفر لذنبك ) أي متى علمت هذا التوحيد إستغفرت من دعواك الوجود معه فتنسب لنفسك صفاته القائمة بذاته فأمسيت مدّعيا للألوهية لأنّ الصفات لا تقوم إلا بالذات فمتى نسبتها إليك فكأنّك إدّعيت أنها صفاتك فقلت بالشريك.
فبحر الإخلاص أمره عظيم وخطبه جسيم.
فالترقي في الإخلاص هو الترقي في التوحيد ومن عدم إخلاصه فقد عدم توحيده ومن تذكّر أن الإخلاص هو التوحيد وأن عكس الإخلاص هو الشرك بكلّ معانيه الظاهرة كعبادة الأصنام كيفما كان هذا الصنم مادي أو أدبي وبكلّ معانيه الباطنة وهو رؤية النفس وعبادتها كالرياء وغيره فافهم.
فالمقامت سيدي هي مقامات إخلاصية بمعنى أنّ كلّ منقبة لا ترى فضلها ولا نورها إلا بمدد الإخلاص ومدد الإخلاص يأتي من قادوس التوحيد والتوحيد يرتقي بحسب فهمك عنه في أسمائه وصفاته أي في أكوانه الظاهرة والباطنة فما خلق الكون إلا لتوحّده فيه فإنّك لا تقدر على مشاهدته من غير حجاب الصفات فخلق لك كلّ شيء لتعرفه فيه فكلّ ما سواه يدلّ عليه وأنت تعرف بأن النفس والهوى والشيطان والدنيا إنما هي أشياء سلّطها عليك ليوحشك بها إليه فتفرّ إليه منها وهذه الأربعة هي الأصول القائم عليها عالم الخيال بأسره فما سلّطها عليك إلا ليدلّك بها على عالم الحقّ بأسره ( ما خلقت هذا باطلا ) وبما أنّ الكون بأسره خلقه بالحقّ والشيطان من جملة هذا الخلق والنفس كذلك فافرح لأنّه ما خلق لك الكون إلا بالحقّ ليدلّك على الحقّ.
حتى الذنب لولاه لما عرفت الطاعة وربّ ذنب أدخل صاحبه الجنّة كما ورد في الحديث.
فهذه كلّها هي الإختبارات والمراحل التي أوجب عليك سلوكها لتعلم ثمن المهر الذي ستدفعه وغلاءه كيف لا وأنت تريد الوصول إلى حضرة ملك الملوك الأوّل بلا بداية والآخر بلا نهاية.
فالإخلاص من نفس معدن نيّتك والنيّة لها طريق واحد و وجهة واحدة ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله و رسوله ). الحقيقة الإلهية والحقيقة المحمدية فلا تصحّ الثانية بغير الأولى وهذا مقام البقاء بالله تعالى فلا نقول البقاء بمحمّد فافهم.
ثمّ إن الأدوية التي عند الورّاث المحمّديين هي العلاج لجلب الإخلاص وبعدها يتغيّر العلاج بحسب المقام.
والعارفون يتنافسون في هذا أيّهم أقرب وليس هناك وسيلة إلى الله تعالى أقرب من وسيلة الإخلاص.
فهذه نقاط متبعثرة تفي بالمقصود إن شاء الله تعالى لمن تدبّر وفهم.
وأزيدك هذه الخلاصة من شرحي على الحكم :
- الأعمال في ظاهرها قائمة صورها برسم العلم , وقيام نوره بوجود سرّ الإخلاص في باطنها.
- إنّما أمرك بالإخلاص لأنّه جوادك في السير إليه , ومتى كوشفت بسرّه أزال لك الحجاب بين يديه.
- أراد منك الإخلاص في أعمالك كلّها , ليقطع نظرك عن ملاحظة الأكوان , ويغيبك في سرّه في مقام العيان.
- أمرك بالإخلاص ليديم عليك مراقبته , وبوجود سرّه آنسك في مشاهدته , سرّ الإخلاص ( أن تعبد الله كأنّك تراه ) والإخلاص ( فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ).
- تحقّقك بالإخلاص سلوك منك في أنوار صفاته , وتحقّقك بسرّه عروج منك الى حضرة ذاته.
- قيام العارف بالأعمال في رسم العلم بقاء , و وجود سرّ إخلاصه فيها فناء , فكلّما تحقّق سرّ إخلاصك في فنائك , أرجعك في حلية العلم به الى عالم بقائك.
- ما أمرك بالإخلاص في أعمالك إلا ليسري نور توحيده فيها , فلا تدلّك إلا عليه , ولا ترتضي لك مقاما غير الوقوف بين يديه ( إنّما يتقبّل الله من المحسنين ).
- متى رزقك سرّ الإخلاص أسرع بك عملك إليه , ومتى منعك كبا بك جواده.
- متى شهدت إخلاصك بأنه منك صدر صارت نسبة الأعمال إليك , فأنخسف قمر توحيدك , وظهرت دعاوي تجريدك.
- متى خلا عملك من وجود سرّ الإخلاص فيه صار إعتمادك عليه , فأوجبت عليه حقوقا , وهو لا يجب عليه شيء.
- لولا حصول فضله بوجود سرّ الإخلاص لما وصل سالك إليه , ولا تحقق عارف بمعرفته بين يديه.
- الإخلاص متى نسبته إليك كان من جملة أعمالك فلا يدلّك فيها إلا على الحظوظ , ومتى نسبته إليه كانت أعمالك من جملته فلا يدلّك فيها إلا على مقام الشهود.
-لا يتحقّق بمعاني الإخلاص إلا من صحّح الفقر إليه , ولا يشرق سرّه إلا لمن إعترف بالعجز بين يديه , ( إيّاك نعبد ) فقر إليه ( وإيّاك نستعين ) عجز بين يديه.
- شهودك لإخلاصك من غير عمل , دعوى لظهوره في غير محلّ , فكثر عنادك , وظهر إلحادك.
- إنّما جعل لك الأعمال ظاهرة في رسوم العلم , و جعل باطنها في أنوار الفهم , كي لا تخرج عن وصف عبوديتك , وتتجاوز أحكام هويّتك.
- متى أجاز لك الرخصة في الأعمال فمن حيث ظاهر بشريتك , لا من حيث باطن حقيقتك , فالعزائم لا تنفكّ عنك في أعمالك القلبية , وشؤونك الغيبية ( السابقون السابقون أؤلائك المقرّبون ).
- الأعمال لا تفارقها النيّة لذا جعلها محلاّ لوجود الإخلاص , كي يرافقك وجوده في جميع أعمالك , فلا تسير بك إلا إليه , ولا تزيغ بك دون الوقوف بين يديه.
- إخلاص العارف قطع نظره عن جملة الأكوان , والغيبة بسرّه عن نفسه في مقام الإحسان.
- السالك متى رجع الى شهود إخلاصه عوقب بوجود طلب الأعواض , ونودي عليه بلسان البعاد ( فنادى في الظلمات سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين ).
- أعلمك بتخليصه لك على لسان محلّ الغواية , كي يدلّك على نسبة إخلاصك إليه , فتبرأ منه بين يديه , وإلا فمتى أوكله إليك , حلّت فتن الغواية عليك ( لأغوينّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ).
- ( قل إعملوا فسيرى الله عملكم ) من حيث وجود سرّ الإخلاص فيه ( ورسوله ) من حيث نور العلم بالإتّباع فيه ( والمؤمنون ) من حيث الدلالة عليه , والوقوف بهم بين يديه.
- ما تحقّق دالّ عليه وموصل إليه بسرّ الإخلاص إلا و نادت حقيقته ( ما أسألكم عليه من أجر ) من كثرة تحقّقه في مراقي أنوار صفاته , وشهود منّته بزوال حجاب ذاته .
سيدي من طالع في كلام السلف السابقين وعرف ما هم عليه من التقوى والفهم من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومن إقتدى أثرهم من السلف يجزم يقينا أنّه مدّعي في طريق الله تعالى قال شيخنا إسماعيل رضي الله عنه : ( لو كنت في زمن الجنيد وأضرابه لما إرتضوني أن أكون المشرف على دوابّهم ).
نعم وهو كذلك وإني أحسّ أخي تماما بما تحسّ أنت به.
ملاحظة : سيدي فارس إني أستغلّ هذه الفرصة لأكتب فيها ما قدّره الله تعالى من الكتابات لظنّي بأنّها فرص قلّما تعاد أو تعوّض وخاصّة بأنّ هذا الفقير الآن ببلاد تركيا وقد زرت سيدي سيّدنا أبا أيّوب الأنصاريّ رضي الله عنه وكذلك أكرمني الله تعالى بزيارة سيدي الشيخ عبد القادر عيسى الحلبي وتبرّكت بزيارتهما وقد دعوت لنفسي ولكم هناك ولجميع إخواني هناك فالحمد لله.
وإن شاء الله تعالى أزور سيدي أحمد التيجاني ذلك القطب الكبير رضي الله عنه متى سهّل الله لي ذلك في الأيّام القادمة , ويا سبحان الله : لمّا زار شيخنا رضي الله عنه فاس منذ سنوات وكان معه خادمه ولقد لحق بهم سيدي جلال فقير من فقراء فرنسا وما كتب الله لي الزيارة والإلتحاق بهم فأخبرني سيدي جلال بأن الشيخ قال وهو في مقام سيدي أحمد التيجاني رضي الله عنه : ( سنأتي يوما ما بفلان ( يقصدني ) إلى هنا ) وها إني أحسّ بأنّ هذا قريب التحقيق والله أعلم وأسأل الله أن يتحقّق هذا فإني أحبّ جميع أهل الله تعالى والله أعلم بغيبه سبحانه.
وبالله التوفيق ونمرّ إلى الجواب بحسب الوقت إلى السؤال الموالي بحول الله تعالى.
السؤال السابع عشر :
ذكرتم سيدي فيما سبق ( القاعد في الطريق المستقيم فكلّ مارّ منه لا بدّ أن يكون له نيّة الإخلاص لله وإلا إستزلّه الشيطان ) هذه قاعدة خطيرة جدا والسؤال هو :
كيف يكون الفقير مخلصا وقد اجتمعت عليه نفسه والشيطان والهوى وحب الدنيا , فما يجلب للعبد الاخلاص وماذا يفعل ان كان يشكو قلة الاخلاص اصلا ؟
الجواب والله أعلم :
سيدي الفاضل : إكتساب الفضائل وإجتناب الرذائل يتحقّق بالتربية والتزكية فإنّ الله تعالى ما ترك عباده من غير رعايته لهم بل تعاهدهم ولا يزال يتعاهدهم : تعاهدهم بقوله : (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).
فأعطاهم العقل وأمدّهم بالحواس الظاهرة والباطنة ثمّ أكرمهم ببعثة الأنبياء والرسل وبتنزيل الكتب ( خلق الإنسان علّمه البيان ) ( إقرأ وربّك الأكرم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم ).
قال تعالى ( و آتاكم من كلّ ما سألتموه ) أي قبل السؤال وحين السؤال وبعد السؤال فلم يترك عباده هملا ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) في المعنيين ( الظاهر والباطن ).
فالله تعالى إنّما سلّط الشيطان على بني آدم ليوحشهم إليه كما ذكر هذا في الحكمة سيدي بن عطاء الله السكندري رضي الله عنه أي لتفرّ منه وتحتمي بعالم النور فالسير لا يتحقّق إلا بمنازلة جنود النور لجنود الظلام وكذلك النفس فما سلّطها على الإنسان إلا ليفنى عنها في حضرة الرحمان فيفرّ منها ( ففرّوا إلى الله ) قال في الحكمة : ( لو لا ميادين النفوس ما تحقّق سير السائرين ) وسلّط على العبد محبّة الدنيا ليفرّ منها إلى الآخرة فيتحقّق سيره ( نعمت الدنيا مطيّة المؤمن ...) كما ورد في الحديث .
أمّا تسليط الهوى فليعلّمك كيف تفطم نفسك عنه في جميع المراتب وحتى ولو كنت عارفا بالله تعالى فلا تميل إلى مقامات ولا أحوال ولا علوم ولا معارف ولا حكم ولا رئاسة ولا لأيّة خصوصية ظاهرة أو باطنة هذا المقام الأعلى أمّا المقام الأدنى فلا تميلوا كلّ الميل ولا بدّ مع هذا من العدل ذلك المقام الذي هو لا يكون إلا عند مشائخ التصريف فمشائخ التصريف هم أهل العدل والإحسان.
فما سلّط الله على الإنسان الشيطان والدنيا والنفس والهوى إلا ليسري إليه ويفرّ منها إليه وهذه هي حكمتها.
وهذا يعطينا مشهد الحكمة على إطلاقه : فالحكمة الألهية مراتب للوصول إليه , أمّا مشهد العلم للقيام بحقّ الأدب بين يديه , والعلم والحكمة أخوان شقيقان وصديقان حميمان.
فالإخلاص سيدي : هو التوحيد بمفهومه التام لذا سمّيت سورة ( قل هو الله احد ) بسورة الإخلاص.
أمّا ضدّ الإخلاص : فهو الشرك , فالكون وما حواه متى نظر إليه بقلبه ميلا أو إعتقادا أو محبّة ففيه شبهة الشرك بالله تعالى :
والميل أقصد به أي ميلا مستقلاّ عن الميل إليه بالله تعالى وهذا لا يكون إلا في مقام البقاء حقيقة فنحن نميل إلى أهل الله تعالى ميلا لأنّهم أحباب الله فما ميلنا لهم لنفوسنا وإنما لله تعالى فمن مال إلى الكون بنفسه علويا أو سفليا ففيه بقية من الشرك.
لذا جعل علم السلوك والتزكية لنبذ هذا الخيال الذي سنتكلّم عنه في محلّه (وأن عالم الخيال هو هذا الوجود بأسره بنظر النفس ) فمتى نظرت النفس إلى هذا الوجود فنظرها باطل فوقعت في عالم الخيال وعالم الخيال هو عالم الباطل .فافهم.
أمّا نظر الروح إلى هذا الوجود فهو نظر حقّ لأنّ الروح لا يشاهد إلا الحقّ ( ونفخت فيه من روحي ) يعني إشارة.
فبالتسليك والتزكية والترقية من مقام إلى مقام يترقّى الإخلاص شيئا فشيئا ويتربّى شيئا فشيئا.
والإخلاص سيدي : هو أصل جميع المقامات فلا يصحّ مقام من المقامات أو حال من الأحوال إلا به فتتربّى جميع المقامات بمدد الإخلاص لذا دلّك على هذه الحقيقة لتنال كلّ شيء بأسرع وقت ( وأعبدوا الله مخلصين له الدين ).
لذا شمّر الشيوخ رضي الله عنهم سواعدهم في تربية هذا الإخلاص الذي هو سرّ الوجود ومفتاح الشهود فكانت المعركة فيه حامية الوطيس بينهم وبين الشيطان وزوجته النفس لتعرف قوله عليه الصلاة والسلام ( عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) ويقول قائلهم : ( هل للصوفية جهاد ) وأقول : ( وهل هناك غيرهم في ساحات الجهاد ) فإنّهم يقاتلون أئمّة الكفر وهل هناك إماما في الكفر مثل إبليس ونفس الإنسان.
فطريق الفقير أو أقول المؤمن من حيث أنّه مؤمن إلى الإخلاص هو طريق التزكية والتربية وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله تعالى : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ).
فهذه الآية تشمل درجات الإخلاص الثلاث : الإخلاص في مقام الإسلام , والإخلاص في مقام الإيمان , والإخلاص في مقام الإحسان ).
فليس إخلاص العامّة كإخلاص الخاصّة وليس إخلاص الخاصّة كإخلاص خاصّة الخاصّة فكيف بإخلاص رسول الله صلى الله عليه وسلّم ( والإخلاص هو التوحيد ).
فالإخلاص يرتقي بحسب مقام الفقير في التوحيد فكلّما حزت مقاما في الإخلاص ناداك المقام الذي بعده فحكمت على نفسك بالشرك في المقام الذي كنت فيه وهكذا إلى أن يقع لك التبرّي من إخلاصك وتتلوا قوله تعالى ( إلا عبادك منهم المخلصين ) بفتح اللام.
والتبرّي من الإخلاص هو التبرّي من شرك وجودك معه وكلّ المقامات سيدي تصبّ في هذه الحقيقة ولكن لا يتفطّن إليها إلا قليلا من العباد.
وبالنسبة للسالك يقع في جملة من الإختبارات في مقام الإسلام والإيمان والإحسان ليمتحن في إخلاصه أي في توحيده الحقّ وتوجّهه الصدق.
والإخلاص هو التبرّي من الحول والقوّة فلا تنسب لك شيء ولا تطمع في شيء إلا شيئا أباحه الله لك وما أباح لك في الطمع إلا غفران الذنوب , وغفران الذنوب هو الفناء ( ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ) فتعود وترجع إلى الكنزية.
كما قال شيخنا إسماعيل في قصيد له رضي الله عنه :
أبغي ثباتي في شهود بحر الذات *** أغنم أوقاتي رجوعي إلى الكنزية.
لذا قال تعالى ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ثمّ (وإستغفر لذنبك ) أي متى علمت هذا التوحيد إستغفرت من دعواك الوجود معه فتنسب لنفسك صفاته القائمة بذاته فأمسيت مدّعيا للألوهية لأنّ الصفات لا تقوم إلا بالذات فمتى نسبتها إليك فكأنّك إدّعيت أنها صفاتك فقلت بالشريك.
فبحر الإخلاص أمره عظيم وخطبه جسيم.
فالترقي في الإخلاص هو الترقي في التوحيد ومن عدم إخلاصه فقد عدم توحيده ومن تذكّر أن الإخلاص هو التوحيد وأن عكس الإخلاص هو الشرك بكلّ معانيه الظاهرة كعبادة الأصنام كيفما كان هذا الصنم مادي أو أدبي وبكلّ معانيه الباطنة وهو رؤية النفس وعبادتها كالرياء وغيره فافهم.
فالمقامت سيدي هي مقامات إخلاصية بمعنى أنّ كلّ منقبة لا ترى فضلها ولا نورها إلا بمدد الإخلاص ومدد الإخلاص يأتي من قادوس التوحيد والتوحيد يرتقي بحسب فهمك عنه في أسمائه وصفاته أي في أكوانه الظاهرة والباطنة فما خلق الكون إلا لتوحّده فيه فإنّك لا تقدر على مشاهدته من غير حجاب الصفات فخلق لك كلّ شيء لتعرفه فيه فكلّ ما سواه يدلّ عليه وأنت تعرف بأن النفس والهوى والشيطان والدنيا إنما هي أشياء سلّطها عليك ليوحشك بها إليه فتفرّ إليه منها وهذه الأربعة هي الأصول القائم عليها عالم الخيال بأسره فما سلّطها عليك إلا ليدلّك بها على عالم الحقّ بأسره ( ما خلقت هذا باطلا ) وبما أنّ الكون بأسره خلقه بالحقّ والشيطان من جملة هذا الخلق والنفس كذلك فافرح لأنّه ما خلق لك الكون إلا بالحقّ ليدلّك على الحقّ.
حتى الذنب لولاه لما عرفت الطاعة وربّ ذنب أدخل صاحبه الجنّة كما ورد في الحديث.
فهذه كلّها هي الإختبارات والمراحل التي أوجب عليك سلوكها لتعلم ثمن المهر الذي ستدفعه وغلاءه كيف لا وأنت تريد الوصول إلى حضرة ملك الملوك الأوّل بلا بداية والآخر بلا نهاية.
فالإخلاص من نفس معدن نيّتك والنيّة لها طريق واحد و وجهة واحدة ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله و رسوله ). الحقيقة الإلهية والحقيقة المحمدية فلا تصحّ الثانية بغير الأولى وهذا مقام البقاء بالله تعالى فلا نقول البقاء بمحمّد فافهم.
ثمّ إن الأدوية التي عند الورّاث المحمّديين هي العلاج لجلب الإخلاص وبعدها يتغيّر العلاج بحسب المقام.
والعارفون يتنافسون في هذا أيّهم أقرب وليس هناك وسيلة إلى الله تعالى أقرب من وسيلة الإخلاص.
فهذه نقاط متبعثرة تفي بالمقصود إن شاء الله تعالى لمن تدبّر وفهم.
وأزيدك هذه الخلاصة من شرحي على الحكم :
- الأعمال في ظاهرها قائمة صورها برسم العلم , وقيام نوره بوجود سرّ الإخلاص في باطنها.
- إنّما أمرك بالإخلاص لأنّه جوادك في السير إليه , ومتى كوشفت بسرّه أزال لك الحجاب بين يديه.
- أراد منك الإخلاص في أعمالك كلّها , ليقطع نظرك عن ملاحظة الأكوان , ويغيبك في سرّه في مقام العيان.
- أمرك بالإخلاص ليديم عليك مراقبته , وبوجود سرّه آنسك في مشاهدته , سرّ الإخلاص ( أن تعبد الله كأنّك تراه ) والإخلاص ( فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ).
- تحقّقك بالإخلاص سلوك منك في أنوار صفاته , وتحقّقك بسرّه عروج منك الى حضرة ذاته.
- قيام العارف بالأعمال في رسم العلم بقاء , و وجود سرّ إخلاصه فيها فناء , فكلّما تحقّق سرّ إخلاصك في فنائك , أرجعك في حلية العلم به الى عالم بقائك.
- ما أمرك بالإخلاص في أعمالك إلا ليسري نور توحيده فيها , فلا تدلّك إلا عليه , ولا ترتضي لك مقاما غير الوقوف بين يديه ( إنّما يتقبّل الله من المحسنين ).
- متى رزقك سرّ الإخلاص أسرع بك عملك إليه , ومتى منعك كبا بك جواده.
- متى شهدت إخلاصك بأنه منك صدر صارت نسبة الأعمال إليك , فأنخسف قمر توحيدك , وظهرت دعاوي تجريدك.
- متى خلا عملك من وجود سرّ الإخلاص فيه صار إعتمادك عليه , فأوجبت عليه حقوقا , وهو لا يجب عليه شيء.
- لولا حصول فضله بوجود سرّ الإخلاص لما وصل سالك إليه , ولا تحقق عارف بمعرفته بين يديه.
- الإخلاص متى نسبته إليك كان من جملة أعمالك فلا يدلّك فيها إلا على الحظوظ , ومتى نسبته إليه كانت أعمالك من جملته فلا يدلّك فيها إلا على مقام الشهود.
-لا يتحقّق بمعاني الإخلاص إلا من صحّح الفقر إليه , ولا يشرق سرّه إلا لمن إعترف بالعجز بين يديه , ( إيّاك نعبد ) فقر إليه ( وإيّاك نستعين ) عجز بين يديه.
- شهودك لإخلاصك من غير عمل , دعوى لظهوره في غير محلّ , فكثر عنادك , وظهر إلحادك.
- إنّما جعل لك الأعمال ظاهرة في رسوم العلم , و جعل باطنها في أنوار الفهم , كي لا تخرج عن وصف عبوديتك , وتتجاوز أحكام هويّتك.
- متى أجاز لك الرخصة في الأعمال فمن حيث ظاهر بشريتك , لا من حيث باطن حقيقتك , فالعزائم لا تنفكّ عنك في أعمالك القلبية , وشؤونك الغيبية ( السابقون السابقون أؤلائك المقرّبون ).
- الأعمال لا تفارقها النيّة لذا جعلها محلاّ لوجود الإخلاص , كي يرافقك وجوده في جميع أعمالك , فلا تسير بك إلا إليه , ولا تزيغ بك دون الوقوف بين يديه.
- إخلاص العارف قطع نظره عن جملة الأكوان , والغيبة بسرّه عن نفسه في مقام الإحسان.
- السالك متى رجع الى شهود إخلاصه عوقب بوجود طلب الأعواض , ونودي عليه بلسان البعاد ( فنادى في الظلمات سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين ).
- أعلمك بتخليصه لك على لسان محلّ الغواية , كي يدلّك على نسبة إخلاصك إليه , فتبرأ منه بين يديه , وإلا فمتى أوكله إليك , حلّت فتن الغواية عليك ( لأغوينّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ).
- ( قل إعملوا فسيرى الله عملكم ) من حيث وجود سرّ الإخلاص فيه ( ورسوله ) من حيث نور العلم بالإتّباع فيه ( والمؤمنون ) من حيث الدلالة عليه , والوقوف بهم بين يديه.
- ما تحقّق دالّ عليه وموصل إليه بسرّ الإخلاص إلا و نادت حقيقته ( ما أسألكم عليه من أجر ) من كثرة تحقّقه في مراقي أنوار صفاته , وشهود منّته بزوال حجاب ذاته .





0 التعليقات:
إرسال تعليق