بسم الله الرحمان الرحيم -
المطلب الأوّل :
الأسرار لا يؤتمن عليها طالبها فطالب علوم الأسرار حاله في الشاهد كالشياطين الذين يسترقون السمع في السماء , فهذا الحال إكتسبه الشياطين من إبليس الذي طلب كلّيات الحقائق الظاهرة والباطنة بسؤاله الخلافة وطلبه لها لذا حدّد الشرع الإسلامي ماهيات الخلافة وأنّها لا تعطى لسائلها كما ورد في الحديث ( من سألها وكّل لها وما أعطاها أعين عليها ) وقد حذّر رسول الله عليه الصلاة والسلام عمّه العبّاس رضي الله عنه من طلب الإمارة في معنى قوله : ( لا نعطي أمرنا هذا من سأله ) والسؤال يكون بالحال قبل المقال.
فكذلك طالب الأسرار لذات الأسرار فهو في الشاهد مثل مسترق السمع فهذا حاله شيطاني فإنّه متى أعطي قبس من تلك الحقائق تصرّف فيها من تلقاء نفسه فوكّل إليها كما الشأن في إبليس فقد إنعكست لديه الحقائق فاستدرج فيها إستدراجا كبيرا ولا بدّ له من ذلك بما أنّه سأل الخلافة كي يستعملها فيما إستعمل فيه ما جناه من أسرار وأنوار خلاف زمن عبوديته قبل خلق آدم حينما كان على تركيبته النورية.
ثمّ يجب أن يعلم هذا الأمر : وذلك أنّ العبد متى أرجع إلى صفته النفسية أرجع إلى حكم طبيعته الطينيّة , أمّا إبليس فهو يرجع برجوعه إلى أوصاف نفسه إلى حكم طبيعته النّارية , فنفسيته ناريّة , بخلاف الإنسان فنفسيته طينية ترابيّة وهي محلّ الشهوات , لهذا لا يحسن أن يقاوم الإنسان غريمه الإبليسي الشيطاني إلاّ بوصف آخر وهو الوصف النوري الذي يخاف منه إبليس تمام الخوف وقد ورد أنّ جهنّم تقول يوم القيامة للعبد المؤمن : ( جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ) لأنّ النور بارد والبرد يطفي الحرّ ( يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) فكلّ من كان على الحال الإبراهيمي كانت النار عليه بردا وسلاما.
فرجع إبليس حينما رفض السجود إلى وصف نفسه الناري الأصلي لذا لمّا سأله الله تعالى ( ما منعك أن تسجد ) فقال (أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين ) فما حاجج إلاّ بوصف نفسه لأنّه رجع إليها وكان يعلم أنّه مخلوق من النّار لعنه الله تعالى فعاند الحقائق لكون الخليفة في الأرض يجب أن يكون من جنسها خلقا وعودة ثمّ خروجا , فالظهور بالخلافة في عالم الظهور والشهادة وهو عالم المادّة أو تقول عالم الأسماء هو الذي ترك إبليس يعاند ويصرّ على نوال تلك الحقيقة وتلك المرتبة رغم أنّ حقيقته ليس في إستطاعتها ولا يمكنها تحمّل ذلك ولا القيام والخروج في ذلك المظهر.
فعاند إبليس الحقائق معاندة شديدة فكان معلول الفهم سقيم النظر في الحقائق فاختلطت عليه العلوم اختلاطا كبيرا بخلاف الملائكة فإنّهم ما رأو أنفسهم ولا قالوا ( خلقتنا من نور ) لأنّ وصف حقائقهم النورانية في أصلها أي أنّ أصل خلقهم نور في نور لا يعطيهم إلاّ الرجوع إلى وصفهم فعاد إبليس إلى أوصاف أصله وكذلك عادت الملائكة إلى أوصاف نفسها ثمّ عاد آدم وهو في الجنّة إلى وصف نفسه حينما اشتهت حوّاء الأكل من الشجرة فأكلت منها وآدم فأهبط إلى الأرض فعاد الجميع إلى حقائقهم ولكن مع الفارق بين آدم وإبليس من جهة من حيث أنّ آدم هبط إلى الأرض ومعه السرّ الإلهي كامن فيه ومن حيث أنّ إبليس هبط إلى الأرض ومعه اللعنة الإلهية كامنة فيه أمّا الملائكة فليس لها هبوط بل لها نزول وصعود فهي أٍرواح تنزل وتصعد وهكذا هو حكم الأٍرواح بإذن الله سبحانه وتعالى.
قلت : الأرواح كلّها مخلوقة من نور سواء أرواح الملائكة أو بني الإنسان أو غيرهم إلاّ أنّ الروح متى رجعت إلى الجسد الذي ستقوم فيه : فهي إمّا أن تكون في طي حكمه أو أن يكون في طي حكمها , فحكم الجسد حكم النفس , وحكم الروح حكم الله تعالى , أمّا إبليس فلا عودة له أبدا إلى حكم روحه النورانية بل الحكم إلى نفسه الناريّة وهذا معنى اللعنة ومعنى ختم القلوب والأبصار والأفئدة والأسماع.
فالملائكة حينما قالت : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) نطقت بحسب أصل أوصافها من حيث بغض النور والروح القدسية للإفساد وسفك الدماء فما ذكرت إلاّ أفعال هذا الإنسان القبيحة وما نظرت إلى أصل تركيبة هذا الإنسان من حيث أنّ النور خير من الطين , لأنّ أصل حقيقتها لا يعطيها هذا الخاطر من حيث أنّ النور لا تخطر فيه خواطر النفس بل ولو خطرت فتكون خواطر نورية لأنّ أصل خلقتها من نور ليس فيها غير القيام بأمر الله تعالى والغيرة على أحكامه أن تنتهك فهذا معنى العصمة الذي سبقت به الملائكة بني آدم فالملائكة أفضل من بني البشر عدا الإنبياء في هذا الأمر لعصمتها ( لا يعصون الله ما أمرهم ).
قلت :
مفهوم إبليس للخلافة مفهوم ناقص فقد ظنّ أنّ الخروج في أوصاف الله تعالى من قدرة وحكمة وعلم وتصريف ونيابة .... يكون في حكم الإله بمعنى أنّ الذي سيكون خليفة سيكون إلها في الكون فلمّا ظنّ أنّ الخلافة هي هذا وهو كاذب في فهمه كان ديدنه في جميع مراحل حياته الوصول إلى هذا الفهم وذلك بدعوى الألوهية فكان هذا مطلبه الذي يعمل عليه منذ أن هبط إلى الأرض.
فكان إبليس هو صورة آدم المعكوسة في الأرض أعني صورة الخلافة المعكوسة فظنّ أنّ الخلافة ألألوهية وهو كاذب في هذا الفهم , وإنّما إلتبس عليه الأمر في هذا لما علم بعضه من حكم الخليفة وتصرّفه بإذن الله تعالى ظاهرا وباطنا فحجب عن علوم التوحيد في هذا التصرّف والذي لا يمكنه أن يقوم إلاّ بوصف العبودية التامّة الحقّة والتي وصفها النّور لذا رفض السجود لعدم فهمه أنّ هذا السجود هو في الحقيقة سجود الإعتراف بهذا الخلفية والعيش تحت ظلّ حكمه فأبى وكان من الخاسرين لتعلم هنا أنّ قاعدة ديننا هي ( سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير ).
لهذا منع إبليس من مقام الخلافة ومنعت الملائكة منها وحملها الإنسان بعد أن عرضها الله على السماوات والأرض فأبين وأشفقنا منها فاستعمل إبليس جميع علومه التي هي علوم الرسالة والنبوّة والولاية لكنّها معكوسة.
هنا متى عرفت هذا ولو بقليل من الإستشعار لوجود الإختصار علمت أنّ لكلّ صورة من علوم الولاية في زماننا وفي غيره من الأزمنة لها صورة من الباطل تقابلها فمثلا نقول هناك : الكشف الربّاني وما يقابله من الباطل الكشف الشيطاني , فمثلا لو أطلعك الله تعالى على أسرار العباد ثمّ فضحت أحدا منهم فكشفك هذا كشف شيطاني لا بدّ من التوبة منه وحذار أن تفرح به فقد ورد عن سيّد الوجود أنّه يقول فيمن عرف ذنبه ( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ) من غير أن يعيّن , لأنّ المكاشف لو عيّن لكان حاله شيطاني لهذا قالت الملائكة في عدم تعيينها ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فلم تعيّن بخلاف إبليس فقد عيّن ( أنا خير منه ) عيّن آدم فإنّك متى عيّنت فقد أثبتّ نفسك ولا بدّ لذا أثبت إبليس نفسه.
قلت : إبليس مدخول عليه في الحقائق كثيرا لمرض نفسه ولذا كثر الكفر في عالم الجنّ المخلوق من النار وكثر فيهم الفسق والظلم والكذب كثيرا لأنّ طبائعهم تعطي ذلك إلاّ عباد الله تعالى الصالحون منهم فهم ساداتنا رضي الله عنهم , أمّا الإنسان فهو على خير كثير لأنّ طبيعته حيوانية طينية وهي أهون بكثير من الطبيعة النّارية.
ومن تعيين إبليس : قوله : أنظرني إلى يوم يبعثون - فتحدّث بالأسرار عنادا وليس تسليما فعيّن يوم القيامة.
ومن تعيينه : ( لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) فأخبر بالذريّة قبل وجودهم.
ومن تعيينه : (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) فعيّن وجوده معهم في الأرض قبل هبوطه
وفي هذا كثير فأخبر بعد أن لعنه الله تعالى بالكثير من الأسرار ولكنّها أسرار تعلّقت بحقيقته لعنه الله تعالى , وإنّما قال هذا : ليخبر أنّ تلك الخلافة سيفسدها بما أوتي من قوّة التي نسبها إلى نفسه فرفض أن يسلّم بالخلافة لآدم بعد أن أخبره الله تعالى بأنّ آدم سيكون خليفة في الأرض ( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) إنتهى الأمر لسبق العلم.
هذا ليعطيك أيّها الإنسان معرفة عظمة تلك الخلافة وقدرها المنيف فحذّرك من أن تطلب فيها ما طلب إبليس منها , هنا دخل إبليس ليفسدها عليك فيدخل لك بوساوسه التصرّف فيها بحسب ما كان سيتصرّف هو فيها لو أعطيها ومن هنا دخل على كثير من أهل السلوك لأنّه قاعد لك في الطريق المستقيم.
هل فهمت الآن لماذا شقّ صدر النبيّ ونزع حظّ الشيطان منه , فهل شقّ صدرك ونزع حظّ الشيطان منك ؟؟؟ فمتى قلت لا : قلنا لك : لماذا أفصحت وعيّنت وأخرجت الأسرار هل بإذن أو من غير إذن ؟؟؟ فالغير مأذون يخرج الأسرار فلا تقبل منه , أمّا المأذون فمتى أخرج الأسرار كانت في أذن السامع أحلى من عسل الأنهار قال عليه الصلاة والسلام ( أنا سيّد ولد آدم ولا فخر أنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض , ولواء الحمد بيدي , آدم فمن دونه تحت لوائي ..............................................) فهذا كلام الخليفة أين هو من كلام إبليس ( أنا خير منه ) فهذا مدح نفسه وهذا مدح نفسه صورة حقّة تقابلها صورة باطلة ولا بدّ في أعلى مراتبها وإلى أدنى مراتبها.
يتبع .....
المطلب الأوّل :
الأسرار لا يؤتمن عليها طالبها فطالب علوم الأسرار حاله في الشاهد كالشياطين الذين يسترقون السمع في السماء , فهذا الحال إكتسبه الشياطين من إبليس الذي طلب كلّيات الحقائق الظاهرة والباطنة بسؤاله الخلافة وطلبه لها لذا حدّد الشرع الإسلامي ماهيات الخلافة وأنّها لا تعطى لسائلها كما ورد في الحديث ( من سألها وكّل لها وما أعطاها أعين عليها ) وقد حذّر رسول الله عليه الصلاة والسلام عمّه العبّاس رضي الله عنه من طلب الإمارة في معنى قوله : ( لا نعطي أمرنا هذا من سأله ) والسؤال يكون بالحال قبل المقال.
فكذلك طالب الأسرار لذات الأسرار فهو في الشاهد مثل مسترق السمع فهذا حاله شيطاني فإنّه متى أعطي قبس من تلك الحقائق تصرّف فيها من تلقاء نفسه فوكّل إليها كما الشأن في إبليس فقد إنعكست لديه الحقائق فاستدرج فيها إستدراجا كبيرا ولا بدّ له من ذلك بما أنّه سأل الخلافة كي يستعملها فيما إستعمل فيه ما جناه من أسرار وأنوار خلاف زمن عبوديته قبل خلق آدم حينما كان على تركيبته النورية.
ثمّ يجب أن يعلم هذا الأمر : وذلك أنّ العبد متى أرجع إلى صفته النفسية أرجع إلى حكم طبيعته الطينيّة , أمّا إبليس فهو يرجع برجوعه إلى أوصاف نفسه إلى حكم طبيعته النّارية , فنفسيته ناريّة , بخلاف الإنسان فنفسيته طينية ترابيّة وهي محلّ الشهوات , لهذا لا يحسن أن يقاوم الإنسان غريمه الإبليسي الشيطاني إلاّ بوصف آخر وهو الوصف النوري الذي يخاف منه إبليس تمام الخوف وقد ورد أنّ جهنّم تقول يوم القيامة للعبد المؤمن : ( جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ) لأنّ النور بارد والبرد يطفي الحرّ ( يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) فكلّ من كان على الحال الإبراهيمي كانت النار عليه بردا وسلاما.
فرجع إبليس حينما رفض السجود إلى وصف نفسه الناري الأصلي لذا لمّا سأله الله تعالى ( ما منعك أن تسجد ) فقال (أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين ) فما حاجج إلاّ بوصف نفسه لأنّه رجع إليها وكان يعلم أنّه مخلوق من النّار لعنه الله تعالى فعاند الحقائق لكون الخليفة في الأرض يجب أن يكون من جنسها خلقا وعودة ثمّ خروجا , فالظهور بالخلافة في عالم الظهور والشهادة وهو عالم المادّة أو تقول عالم الأسماء هو الذي ترك إبليس يعاند ويصرّ على نوال تلك الحقيقة وتلك المرتبة رغم أنّ حقيقته ليس في إستطاعتها ولا يمكنها تحمّل ذلك ولا القيام والخروج في ذلك المظهر.
فعاند إبليس الحقائق معاندة شديدة فكان معلول الفهم سقيم النظر في الحقائق فاختلطت عليه العلوم اختلاطا كبيرا بخلاف الملائكة فإنّهم ما رأو أنفسهم ولا قالوا ( خلقتنا من نور ) لأنّ وصف حقائقهم النورانية في أصلها أي أنّ أصل خلقهم نور في نور لا يعطيهم إلاّ الرجوع إلى وصفهم فعاد إبليس إلى أوصاف أصله وكذلك عادت الملائكة إلى أوصاف نفسها ثمّ عاد آدم وهو في الجنّة إلى وصف نفسه حينما اشتهت حوّاء الأكل من الشجرة فأكلت منها وآدم فأهبط إلى الأرض فعاد الجميع إلى حقائقهم ولكن مع الفارق بين آدم وإبليس من جهة من حيث أنّ آدم هبط إلى الأرض ومعه السرّ الإلهي كامن فيه ومن حيث أنّ إبليس هبط إلى الأرض ومعه اللعنة الإلهية كامنة فيه أمّا الملائكة فليس لها هبوط بل لها نزول وصعود فهي أٍرواح تنزل وتصعد وهكذا هو حكم الأٍرواح بإذن الله سبحانه وتعالى.
قلت : الأرواح كلّها مخلوقة من نور سواء أرواح الملائكة أو بني الإنسان أو غيرهم إلاّ أنّ الروح متى رجعت إلى الجسد الذي ستقوم فيه : فهي إمّا أن تكون في طي حكمه أو أن يكون في طي حكمها , فحكم الجسد حكم النفس , وحكم الروح حكم الله تعالى , أمّا إبليس فلا عودة له أبدا إلى حكم روحه النورانية بل الحكم إلى نفسه الناريّة وهذا معنى اللعنة ومعنى ختم القلوب والأبصار والأفئدة والأسماع.
فالملائكة حينما قالت : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) نطقت بحسب أصل أوصافها من حيث بغض النور والروح القدسية للإفساد وسفك الدماء فما ذكرت إلاّ أفعال هذا الإنسان القبيحة وما نظرت إلى أصل تركيبة هذا الإنسان من حيث أنّ النور خير من الطين , لأنّ أصل حقيقتها لا يعطيها هذا الخاطر من حيث أنّ النور لا تخطر فيه خواطر النفس بل ولو خطرت فتكون خواطر نورية لأنّ أصل خلقتها من نور ليس فيها غير القيام بأمر الله تعالى والغيرة على أحكامه أن تنتهك فهذا معنى العصمة الذي سبقت به الملائكة بني آدم فالملائكة أفضل من بني البشر عدا الإنبياء في هذا الأمر لعصمتها ( لا يعصون الله ما أمرهم ).
قلت :
مفهوم إبليس للخلافة مفهوم ناقص فقد ظنّ أنّ الخروج في أوصاف الله تعالى من قدرة وحكمة وعلم وتصريف ونيابة .... يكون في حكم الإله بمعنى أنّ الذي سيكون خليفة سيكون إلها في الكون فلمّا ظنّ أنّ الخلافة هي هذا وهو كاذب في فهمه كان ديدنه في جميع مراحل حياته الوصول إلى هذا الفهم وذلك بدعوى الألوهية فكان هذا مطلبه الذي يعمل عليه منذ أن هبط إلى الأرض.
فكان إبليس هو صورة آدم المعكوسة في الأرض أعني صورة الخلافة المعكوسة فظنّ أنّ الخلافة ألألوهية وهو كاذب في هذا الفهم , وإنّما إلتبس عليه الأمر في هذا لما علم بعضه من حكم الخليفة وتصرّفه بإذن الله تعالى ظاهرا وباطنا فحجب عن علوم التوحيد في هذا التصرّف والذي لا يمكنه أن يقوم إلاّ بوصف العبودية التامّة الحقّة والتي وصفها النّور لذا رفض السجود لعدم فهمه أنّ هذا السجود هو في الحقيقة سجود الإعتراف بهذا الخلفية والعيش تحت ظلّ حكمه فأبى وكان من الخاسرين لتعلم هنا أنّ قاعدة ديننا هي ( سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير ).
لهذا منع إبليس من مقام الخلافة ومنعت الملائكة منها وحملها الإنسان بعد أن عرضها الله على السماوات والأرض فأبين وأشفقنا منها فاستعمل إبليس جميع علومه التي هي علوم الرسالة والنبوّة والولاية لكنّها معكوسة.
هنا متى عرفت هذا ولو بقليل من الإستشعار لوجود الإختصار علمت أنّ لكلّ صورة من علوم الولاية في زماننا وفي غيره من الأزمنة لها صورة من الباطل تقابلها فمثلا نقول هناك : الكشف الربّاني وما يقابله من الباطل الكشف الشيطاني , فمثلا لو أطلعك الله تعالى على أسرار العباد ثمّ فضحت أحدا منهم فكشفك هذا كشف شيطاني لا بدّ من التوبة منه وحذار أن تفرح به فقد ورد عن سيّد الوجود أنّه يقول فيمن عرف ذنبه ( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ) من غير أن يعيّن , لأنّ المكاشف لو عيّن لكان حاله شيطاني لهذا قالت الملائكة في عدم تعيينها ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فلم تعيّن بخلاف إبليس فقد عيّن ( أنا خير منه ) عيّن آدم فإنّك متى عيّنت فقد أثبتّ نفسك ولا بدّ لذا أثبت إبليس نفسه.
قلت : إبليس مدخول عليه في الحقائق كثيرا لمرض نفسه ولذا كثر الكفر في عالم الجنّ المخلوق من النار وكثر فيهم الفسق والظلم والكذب كثيرا لأنّ طبائعهم تعطي ذلك إلاّ عباد الله تعالى الصالحون منهم فهم ساداتنا رضي الله عنهم , أمّا الإنسان فهو على خير كثير لأنّ طبيعته حيوانية طينية وهي أهون بكثير من الطبيعة النّارية.
ومن تعيين إبليس : قوله : أنظرني إلى يوم يبعثون - فتحدّث بالأسرار عنادا وليس تسليما فعيّن يوم القيامة.
ومن تعيينه : ( لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) فأخبر بالذريّة قبل وجودهم.
ومن تعيينه : (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) فعيّن وجوده معهم في الأرض قبل هبوطه
وفي هذا كثير فأخبر بعد أن لعنه الله تعالى بالكثير من الأسرار ولكنّها أسرار تعلّقت بحقيقته لعنه الله تعالى , وإنّما قال هذا : ليخبر أنّ تلك الخلافة سيفسدها بما أوتي من قوّة التي نسبها إلى نفسه فرفض أن يسلّم بالخلافة لآدم بعد أن أخبره الله تعالى بأنّ آدم سيكون خليفة في الأرض ( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) إنتهى الأمر لسبق العلم.
هذا ليعطيك أيّها الإنسان معرفة عظمة تلك الخلافة وقدرها المنيف فحذّرك من أن تطلب فيها ما طلب إبليس منها , هنا دخل إبليس ليفسدها عليك فيدخل لك بوساوسه التصرّف فيها بحسب ما كان سيتصرّف هو فيها لو أعطيها ومن هنا دخل على كثير من أهل السلوك لأنّه قاعد لك في الطريق المستقيم.
هل فهمت الآن لماذا شقّ صدر النبيّ ونزع حظّ الشيطان منه , فهل شقّ صدرك ونزع حظّ الشيطان منك ؟؟؟ فمتى قلت لا : قلنا لك : لماذا أفصحت وعيّنت وأخرجت الأسرار هل بإذن أو من غير إذن ؟؟؟ فالغير مأذون يخرج الأسرار فلا تقبل منه , أمّا المأذون فمتى أخرج الأسرار كانت في أذن السامع أحلى من عسل الأنهار قال عليه الصلاة والسلام ( أنا سيّد ولد آدم ولا فخر أنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض , ولواء الحمد بيدي , آدم فمن دونه تحت لوائي ..............................................) فهذا كلام الخليفة أين هو من كلام إبليس ( أنا خير منه ) فهذا مدح نفسه وهذا مدح نفسه صورة حقّة تقابلها صورة باطلة ولا بدّ في أعلى مراتبها وإلى أدنى مراتبها.
يتبع .....





0 التعليقات:
إرسال تعليق