بسم الله الرحمان الرحيم -
بارك الله في ساداتنا الكرام وجازى الله عنّا أختنا الفاضلة قاسمية على دعائنا بالخير
أمّا قولك أخي عبد العزيز فلم أفهم معناه ونيّتك فيه وبحسب علمي والله أعلم أن ما قاله العبد الضعيف محلّ إجماع بين العارفين السالكين الكاملين.
سيدي مذهب العارفين في المعرفة أن الفقير في سلوكه وفي ذكره غايته الوصول إلى الله تعالى والدخول إلى حضرته التي قال فيها ( فأينما تولّوا فثمّ وجه الله ) وهو مشاهدة أنوار الباري جلّ وعلا علويا وسفليا من حيث أنّه منفرد بالوجود فلا إله معه ( أإله مع الله ). ومن حيث قوله ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ).
فغاية المعرفة هي إضمحلال الأكوان من مشاهدة العين فلا يبقى في النظر غير أنوار الواحد الديّان وأنت تعرف بأنّ كلّ حقيقة توجّه عليها أمره ( كن ) دخلت دائرة الأكوان وشملها حكمها وهو حكم التقييد وبما أنّ كلّ مخلوق هو في حقيقته عبد لله لقوله تعالى ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) ومعلوم بأنّ السماوات محلّ الأنوار كالملائكة والأرواح العلوية وأنّ من في الأرض هم الجنّ والإنس فكانوا كلّهم عبيدا لله تعالى.
والكون كلّه من عرشه إلى فرشه مخلوق , وكلّ مخلوق هو عبد لله تعالى لأنّ قولنا ( إله ) لا يقابله في الحقيقة إلا قولنا ( عبد ).
فهل يصحّ أن لا يتجاوز المؤمن السالك سدرة المنتهى ثمّ يسمّى عارف بالله تعالى وكيف يكون عارفا وهو مازال في دائرة الأكوان شهودا و وجودا.
فالأكوان هي الحقيقة المحمدية أمّا الإحسان فهو الحقيقة القدسية.
فهذه الحقيقة القدسية التي هي حضرة الربوبية لكلّ عارف فيها حظّه من الله منها وأعلى الخلق حظّا وأوفرهم نصيبا هو سيّد الوجود صلى الله عليه وسلّم لذا نقول حقيقته الأحمدية , فالحقيقة الأحمدية هي مقام عبوديته لربّه صلى الله عليه وسلّم.
فلا يكون العارف عارفا حتى يتجاوز سدرة المنتهى لقوله تعالى ( وأنّ إلى ربّك المنتهى ).
ثمّ هناك مقام الفناء : وهو الفناء في الله تعالى فكيف يكون هذا الفناء وهو مازال في أوحال سدرة المنتهى فلا بدّ من شيخ عارف صاحب سرّ فليخرجه بكيفية من هذا فيدخل عالم الفناء ويترك الكون وراء ظهره فلا يراه بل يراه كما قيل كالهباء في الهواء أو يراه مثل الذرّة بل يفنى من نظره وهو مقام العروج من الحضرة المحمدية إلى حضرة الألوهية ( من كان يعبدا محمد فإن محمد قد مات ) فيستقلّ العارف بعبوديته لربّه بلبّه وسرّه لأنه محال أن يشهده ويشهد معه سواه ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ).
ثمّ إنّ كلّ شيء وقع عليه قوله ( كن ) دخل دائرة الأكوان فلولا قوله له ( كن ) ما صحّ أن يدخل دائرة الأكوان , فالأكوان نتيجة قوله كن وهو الأمر الإلهي الذي تعلّقت به جميع الشرائع الإلهية فالكون كلّه مأمور وهو عبد لا بدّ من الطاعة والإستجابة للأمر والنهي ( ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها ) لأّنهم تحت حكم الأسماء والصفات.
فالفقير متى خرج عن هذا الحكم أي حكم الأسماء والصفات بمعنى خروجه عن الفناء فيهما بالفناء في الذات فخرج عن الأكوان وبقي مع كونه هو فلا بدّ من الفناء عن كونه بالله سبحانه وتعالى لأنّ العبد خلقه الله بيديه ونفخ فيه من روحه فكان لا بدّ من إضمحلال وجوده الحادث لأّنه ليس بموجود تحقيقا مع وجود الله واجب الوجود لأنّ وجوده فرض سبحانه.
ومن هنا شرّع الفرائض التي لا تدلّ إلا عليه فهي معراجك إليه ثمّ على السالك أن يتوب من شهود نفسه وذلك بالفناء عنها وهذه التوبة هي أوّل قدم يضعه السالك في معرفة الله تعالى وهي توبة العارفين في بداية معرفتهم لأنّ التوبة تتجدّد وكلّ مقام يتجدّد ولكنّه يتلوّن بلون آخر أعلى وأرقى ومن هذا المعنى جاءت ألفاظ القرآن مجملة بمعنى أنّ اللفظ القرآني محشور فيه كلّ المقامات والأحوال.
كالخوف مثلا لفظ عام فيه معاني ذلك المقام كلّها فيكون قبضا ثمّ هيبة أي في مقامات الدين الثلاث وهكذا هي التوبة فتوبة السالكين في هذا المقام من مشاهدة الأكوان وفي المقام الأعلى شهود غير الواحد الديان وذلك بالفناء عن نفوسهم فلا يدرون شيئا عنها فهم أموات غير أحياء وإنّما الحياة الحقيقية هي بعد ذلك حين الرجوع من الفناء إلى عالم البقاء ( ذلك هو الحيوان ) وجميع حقائق الأمور هي بعد الفناء تتحقّق.
لذا رجع عليه الصلاة والسلام من المعراج بأحكام الدين ومن ثمّ بدأت الهجرة وبدأ التشريع وفي هذا كمل الدين والدين لا يكمل إلا في عالم البقاء ( اليوم أكملت لكم دينكم ) أي بمراتبه الثلاث ) فكلّ عارف يتلو هذه الآية بلسان الحضرة فعليه أن يستعدّ للإنتقال لعالم الآخرة فقد تمّ مراده وإطمئنّ فؤاده ) فافهم وهذا الفناء عن نفسه لا يمكنه أن يتحقّق إلا بكيفية من شيخ عارف بالله كامل واصل مأذون وارث حقيقيا.
وهذا الخروج يقع بعد الخروج عن مشاهدة الأكوان فيغيب في أنوار حضرة الديّان قال عليه السلام ( لقد أغشاني النور ) فالحقائق على ضربان مشهد العلم السابق فيها والثاني مشهد الوعد اللاحق وهو صورة الوعد السابق الذي سبق في العلم ( إعملوا فإن كلّ ميسّر لما خلق له ) فلا يكون في الأكوان إلا ما سبق به العلم فسيدنا رسول الله سبق علم الله به أنّه نبيّ وآدم بين الروح والجسد فهذا في المشهد العلمي ومن ثمّ في المشهد الغيبي ومن ثمّ وهو مرادنا في عالم الشهادة يجب أن يتحقّق هذا , فالأحمدية هي أسراره والمحمدية هي أنواره والجسمية هي آثاره.
فهذا مشهد من حيث السلوك أمّا من حيث الحقائق فهو صلى الله عليه وسلّم الواسطة العظمى بين الله وخلقه لكن تأبى الألوهية أن تشاهد هذه الواسطة حتى لا تقع في الشرك.
فما دخل هذا بحقيقته الأحمدية وحقيقته المحمدية؟
بل الكلام في مراتب السلوك إلى ملك الملوك.
فليس الأمر ترتيبا حسيّا ولا عقليا فعلى الفقير أن لا يخلط بين المراتب والحقائق.
السؤال السادس والعشرين :
سبق وذكرتم سيدي الغالي (وهكذا لكلّ إنسان قرين : بمعنى أن كلّ مولود من بني آدم لا بدّ أن يولد لإبليس مولودا شيطانا ليكون قرينا لذلك الإنسان ) والسؤال هو :
هل قرين كل انسان يوسوس له وحده أم أن ابن ادم لا يسلم من وسوسة أي شيطان من الشياطين ؟ وبما ان هذا الشيطان القرين هو العدو الاول فالاولى التخلص منه بدل من الحذر فان صح ذلك وان صح سؤالي هل يمكن التخلص من القرين نهائيا وحرقه ؟ وان صح ذلك وتخلص الانسان منه هل هذا يعني سلامة قلبه من القاء شيطان اخر فيه ؟
الجواب والله ورسوله أعلم :
قال أحد الصحابة : كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن أقع فيه.
لأنّ السؤال من حيث ماهيته ينقسم إلى نوعين : سؤال عن الخير , وسؤال عن الشرّ.
وهذه الحقيقة منبعها من حقيقة وهي : أن الرسول صلى الله عليه وسلّم وأي رسول من رسل الله إنّما أرسله الله إلى بني جنسه عامّة أو إلى قومه خاصّة : بشيرا - ونذيرا.
والبشارة والنذارة من أحكام الأسماء والصفات وموضوعيهما : أحكام الجنّة والنّار.
أمّا الجنّة : فحكمها نوراني بحت وهي من أنوار الحقيقة المحمدية لذا كان فاتحها رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم القيامة فالبشارة وقعت بها وبكلّ ما هو من معانيها لذا كان النظر إلى وجه الله يوم القيامة يقع في الجنّة ولا يقع في مكان آخر غيرها أعني تجلّي الجمال المطلق لأنّ الجنّة وأحكامها من أنوار الجمال أو تقول الفضل أو تقول الثواب أو تقول المراتب أو تقول الخصوصية وهكذا في كلّ مراتب كلّ حقيقة وفي حقيقة كلّ مرتبة.
والقرآن يفصّل مراتب كلّ أحد في الدنيا والآخرة ( فيه خبركم وخبر من كان قبلكم وخبر من يأتي بعدكم ) أي خبره ظاهرا وباطنا في الدنيا والآخرة ( فافهم ) لذا كان القرآن الصدق المطلق ( وما يعلم تأويله إلا الله ) فلمّا إحتاج القرآن إلى هذا التأويل قلنا أنّه صفة لأنّ الصفة تحتاج إلى تأويل فهو من حيث هذه الحقائق يحتاج إلى التأويل مثل عالم المرائي فإنّها تحتاج إلى تأويل مع مراعاة الفرق بعد القياس , فلمّا علمنا بأنّه لا يعلم تأويله إلا الله علمنا بأن غيب القرآن بكامله لا يعلمه جملة وتفصيلا إلا الله تعالى.
فعلمنا أنّ القرآن الذي هو صفة المتكلّم وهو الله تعالى إنّما أنزل من مرتبة الألوهية لذا لا يعلم تأويله إلا الله , أمّا من حيث تعليمه بمعنى التحقّق بمقاماته وأحوال الجمال فيه أو تقول بمعنى العبادة فيه لأنّ العبودية جمال محض فهو من حضرة الرحمة تمّ تعليمه ( الرحمان علّم القرآن ) في مرتبة الحقيقة المحمدية الجامعة فما تعلّم أحد من القرآن شيئا إلا من وراء هذه الحقيقة لذا قال بعدها : ( خلق الإنسان علّمه البيان ) فعلمنا بعد هذا الحقائق المحمدية كمراتب بمعنى أنّا علمنا مرتبته في قوله ( الرحمان علّم القرآن ) التي هي وجود الصفات القديمة مع الذات بلا إنفصال ولا إتّصال فلو إتّصلت الصفات لأصبحت هي عين الذات وهذا محال ولو إنفصلت لكانت هي غير الذات وهذا محال.
فلمّا علمنا بعدم إتّصالها وعدم إنفصالها قلنا بعدم إحاطة الصفات بالذات من حيث كونها ذات مجرّدة أي ليست محيطة بباطن الذات فلو إتصلت الصفات لقلنا هي هو فوقعنا في عبادة الصفات كالنصارى الذين عبدوا عيسى فإنّهم قالوا بإتّصاله وأن الله تعالى حالّ فيه وهذا محال عقلا وذوقا وقال أيضا بهذا مع عدم الشعور منهم المعتزلة الذين جعلوا الصفات هي عين الذات جعلوه بعقولهم وإن كان الفارق بينهم وبين غيرهم في العبادة وفي عدم نسبة الألوهية لغير الذات ومن دقّق في مذهبهم علم بطلانه عقلا وذوقا.
أمّا من قال بإنفصال الصفات عن الذات فقد جعلوا لله مكانا وجهة ونزولا وضحكا ولعبا على حقيقته من غير شعور منهم فكانوا مجسّمة ومشبّهة فجعلوا الفارق والقياس بعقولهم من غير ذوق ولا تحقيق وهؤلاء كالوهابية أو الشيعة أو من جرى في فلكهم لأنّ الشيعة قالوا بأنّ الإنسان يخلق فعله وتأوّلوا القرآن على غير وجهه الصحيح لأنّه لا يعلم تأويله إلا الله , فكلّ من كانت له نسبة إلى الله تعالى كان تأويله للقرآن بحسب نسبته من الرحمان ( والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا ) فلا يشاهدون سواه ولا يقع نظرهم على غير معناه.
فصحّت هنا عقيدة الأشاعرة وإرتضاها الله تعالى بأن تكون عقيدة أهل السنّة فهذا وغيره قد يعتقده الجماعة بحسب ما أعطته عقولهم وفهمهم وبحسب ما دلّت عليه النصوص عندهم فكانت النصوص في الحقيقة هي المرآة التي يرى فيها المؤمن دليله أعني دليل وجوده وإشراق نوره سبحانه وتعالى لأنّ النصّ لا يمكن أن يكون دليلا قاطعا متى لم تشهد نور الله فيه , ونور الله فيه هو قوله ( الرحمان علّم القرآن ) فلا بدّ من أن تشتشعر فعله وهو التعليم عند النظر في الدليل أي لا يغيب إسشعارك وجود علم الله فيه لأنه أنزله بعلمه فكان دليلا عليه ولسانا ناطقا لك بين يديه.
أمّا قول من قال من العارفين بأنّ الصفات عين الذات فهذا لإستغراقهم في عين الوحدة ففنى من لم يكن وبقى من لم يزل فهذه مراتب سلوكية ليس كاملة بل هو تحقيق ناقص لذا فإنّ هذا القول لا يدوم لديهم بل سرعان ما يرجعون إلى مشاهدة الصفات وأنّها لا تتصل ولا تنفصل فهي بين وجهين ( ونقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال ) فلو كانت متّصلة أو منفصلة لما صحّ لنا إعتبار أحدية الذات من حيث كونها ذات محض لا تقبل التعدّد ولا الإنقسام ولو لا الوجهين لما صحّت جنّة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ولما صحّت هناك ظلمة ولا نور.
وقول العلماء لا تنفصل ولا تتّصل ليس نفيا وإعتبار المحال وإنّما إستحالة مادية فقط محسوسة عقلية مجرّدة لذا كان الفكر وعقل الإنسان الشيطان الأكبر متى تفكّر في كنه الصفات وكنه الذات من غير سلوك ( لا تفكّروا في ذات الله وتفكّروا في مخلوقات الله ) كما ورد في الحديث.
لذا كان السالكون يتفكّرون في الخلق ( ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ) لأنّك محال أن تعرفه إلا في غيره لذاك خلق لك هذا الغير لتعرفه فيه ولا غير في الحقيقة وإنّما مرتبة عدم الإنفصال وعدم الإتصال فكانت الحقيقة المحمدية غير منفصلة وغير متّصلة فمتى غاب السالك في سلوكه عن الأسماء والصفات ذهل عن الكلّ لرجوع الصفات إلى الذات فقال لسان حاله ( الصفات لا تنفصل ) وما إن يمرّ إلى المقام الذي بعده إلا قال ( الصفات لا تتصل ) فعلم قدره وعبد ربّه على بصيرة من أمره ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) هكذا قال الله تعالى ثناءا على نبيه صلى الله عليه وسلّم.
فمقام الدعوة إلى الله تعالى يبدأ من هنا لذا قال في آخر الآية : وما أنا من المشركين ) لأنّ الصفات ورغم تعدّدها ليس طريقا إلى الشرك لأنّ حقائقها مجموعة في أحدية الذات وليس طريقا إلى الكفر لأنّها لا تنفصل عن الذات كالذين قالوا : ( وما يهلكنا إلا الدهر ) فالله تعالى واحد في أسمائه واحد في صفاته واحد ذاته والحقيقة كما يقول العارفون ( وهو الآن على ما عليه كان ) فليس ثمّ إله إلا الله تعالى لذا تبرّا سيدنا رسول الله من الشرك في قوله في دعوته إلى الله تعالى ( وما أنا من المشركين ) أي لأدلّك على غيره مهما كان هذا الغير ولو كان كما قال تعالى ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيئين أربابا من دون الله أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ).
ولذا فذكر المقامات والخصوصيات وما فضّل الله به بعضنا على بعض شيء وذكر مراتب السلوك والتوجّه إلى ملك الملوك شيء آخر عظيم.
فنحن نعلم وندري بحسب مرتبة كلّ أحد من المعرفة والعلم خصوصيات رسول الله صلى الله عليه وسلّم وخصوصيات الأنبياء والمرسلين وخصوصيات آل كلّ نبي ورسول عليهم جميعا الصلاة والسلام وما هم عليه من القرب والتحقيق وما عليه حقائقهم من وجوه في المراتب ووو...إلخ ولكنّهم كلّهم يبقون عبيدا لله تعالى.
والطريق إلى الله تعالى هم الرسل والأنبياء فلهم السبق في ذلك وكل عالم و ولي وارث لنبي عليهم جميعا الصلاةوالسلام.
أمّا الطريق إلى الله تعالى فهو له سبحانه فلا يدلّك أي رسول ولا نبي في دعوته إلا على الله تعالى ومحال أن يدلّك على غيره قال عليه الصلاة والسلام ( ما من شيء يقرّبكم من الله تعالى إلا ودللتكم عليه وما من شيء يبعدكم عنه إلا وحذّرتكم منه ) أي أنّه دلّنا على مقام الفناء في الله تعالى عبادة وسلوكا وتحققا وتخلّقا فما دلّنا عليه الصلاة والسلام إلا على الله تعالى.
هذا المقام الأوّل الأصلي , أمّا المقام الثاني فهو مقام الأدب مع الله تعالى من حيث تصرّف أسمائه وصفاته بمعنى أنّ أدبك مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع حقائقه وخصوصياته وما تستوجبه تلك المراتب إنما هو تأدّب منك مع صفاته جلّ وعلا وهكذا بقية أهل الرتب من أنبياء ورسل وأهل ولاية خاصة أو عامة.
ثمّ تتأدّب معه في أسمائه فلا تحقر أحدا ولا تشمت بأحد وتعطي كلّ مرتبة حسن أدبها كفي القتال قال عليه الصلاة والسلام ( لا تقتلوا إمرأة ولا طفلا ولا شيخا ولا تقطعوا شجرة ولا تهلكوا حرثا..).
فالدين دين يسر وليس دين عسر و دين رحمة وليس دين قسوة ثمّ أزيدك هذه الفائدة هل دخل المهاجرون والأنصار إلى هذا الدين بقوّة السيف أم بالدعوة فإنّه لا يوجد مهاجر واحد ولا أنصاري واحد دخل هذا الدين إرغاما وعنفا ( لا إكراه في الدين ) فكانوا أكابر الصدّيقين وسادات الأمّة وهكذا مشرب كلّ مطيع مستسلم لله ورسوله بمجرّد تلاوة هذا القرآن فإنهم آمنوا بالقرآن فكفاهم وأغناهم عن كلّ شيء قال سيّدنا عمر رضي الله عنه لمّا أراد أن يكتب لهم رسول الله صلى الله عليه كتابا : ( حسبنا كتاب الله ) أي ومّا في معناه وسنّة نبيّه لأنّ حاله موسوي رضي الله عنه وكيف لا والله يقول سبحانه : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ).
أمّا النّار : فحكمها ظلماني بحت وهي من ظلمات النفس التي أرادت أن تثبت وجودها وألوهيتها مع ألوهية الله تعالى.
فلمّا كانت في الجنّة كانت صورتها روحانية نورانية لا يخطر على بالها السوء فهي مثل الطفل الرضيع لذا مكث آدم في الجنّة برهة من الزمن وهو بنفس مقياس الزمن الذي يبقى فيه الطفل إلى أن يبلغ درجة البلوغ فتجري عليه الأحكام ويكتب عليه القلم لأن آدم جاءه الخطاب بسكنى الجنّة هو وزوجه وأنت تعلم بأنّ زوجه حواء خلقت من ضلعه الأيسر في الجنّة فما ورد لهما الخطاب إلا معا لأنّ سكنى الجنّة لا يكون إلا زوجا وليس فردا ( فافهم ) لأنّ القلم متعلّقه الأمر والنهي ( رقيب وعتيد ) وحالة المرأة في الحقيقة هي من الحقيقة المحمدية أي الحقيقة الزوجية لذا (ولد يوم الإثنين وهاجر يوم الإثنين وإنتقل يوم الإثنين ) لذا دفن معه في قبره عليه الصلاة والسلام إثنان هما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما : الأوّل : يدلّ على الرقّة التي هي من عالم الصفات , والثاني قويّا في عالم الأسماء أي التشريع أما هو صلى الله عليه وسلّم فلا يدلّ إلا على الذات الصمدية لذا قال أبو بكر في حقيقته من النبي : ( الجلوس بين يديك والنظر إليك وإنفاق جميع مالي عليك ) وقال سيدنا عمر أقوالا لا أذكرها الآن تفضي إلى الأمر بالمعروف وو..وغايته إقامة أمر الله ونهيه لذا كان مضرب الأمثال في هذا رضي الله عنه فلو دفن بجانبهما سيّدنا علي أو سيدنا عثمان لإختلطت الحقائق والمقامات الثلاثة هي دلالة على الوترية في الإسلام والإيمان والإحسان.
إعلم سيدي حباك الله بنوره : أنّ الشيطان القرين المذكور في الكتاب والسنّة إنّما جعله الله قرينا لك كي يفديك الله به من مكانك من النار بمعنى أن الصفات الإلهية تطلبك حيثما كنت فكلّ صفة لك طالبة كصفات الجمال وصفات الجلال كلّه لأن الصفات كل صفة لا حكم لها على الصفة الأخرى فأنت تهرب من صفات الجلال إلى صفات الجمال والقرين بعكسك يهرب من صفات الجمال إلى صفات الجلال ...وهنا هناك بحور من العلم ..نستعرضها في المستقبل حتى نكمل الجواب على هذا السؤال.
والله أعلم وبالله التوفيق
بارك الله في ساداتنا الكرام وجازى الله عنّا أختنا الفاضلة قاسمية على دعائنا بالخير
أمّا قولك أخي عبد العزيز فلم أفهم معناه ونيّتك فيه وبحسب علمي والله أعلم أن ما قاله العبد الضعيف محلّ إجماع بين العارفين السالكين الكاملين.
سيدي مذهب العارفين في المعرفة أن الفقير في سلوكه وفي ذكره غايته الوصول إلى الله تعالى والدخول إلى حضرته التي قال فيها ( فأينما تولّوا فثمّ وجه الله ) وهو مشاهدة أنوار الباري جلّ وعلا علويا وسفليا من حيث أنّه منفرد بالوجود فلا إله معه ( أإله مع الله ). ومن حيث قوله ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ).
فغاية المعرفة هي إضمحلال الأكوان من مشاهدة العين فلا يبقى في النظر غير أنوار الواحد الديّان وأنت تعرف بأنّ كلّ حقيقة توجّه عليها أمره ( كن ) دخلت دائرة الأكوان وشملها حكمها وهو حكم التقييد وبما أنّ كلّ مخلوق هو في حقيقته عبد لله لقوله تعالى ( إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) ومعلوم بأنّ السماوات محلّ الأنوار كالملائكة والأرواح العلوية وأنّ من في الأرض هم الجنّ والإنس فكانوا كلّهم عبيدا لله تعالى.
والكون كلّه من عرشه إلى فرشه مخلوق , وكلّ مخلوق هو عبد لله تعالى لأنّ قولنا ( إله ) لا يقابله في الحقيقة إلا قولنا ( عبد ).
فهل يصحّ أن لا يتجاوز المؤمن السالك سدرة المنتهى ثمّ يسمّى عارف بالله تعالى وكيف يكون عارفا وهو مازال في دائرة الأكوان شهودا و وجودا.
فالأكوان هي الحقيقة المحمدية أمّا الإحسان فهو الحقيقة القدسية.
فهذه الحقيقة القدسية التي هي حضرة الربوبية لكلّ عارف فيها حظّه من الله منها وأعلى الخلق حظّا وأوفرهم نصيبا هو سيّد الوجود صلى الله عليه وسلّم لذا نقول حقيقته الأحمدية , فالحقيقة الأحمدية هي مقام عبوديته لربّه صلى الله عليه وسلّم.
فلا يكون العارف عارفا حتى يتجاوز سدرة المنتهى لقوله تعالى ( وأنّ إلى ربّك المنتهى ).
ثمّ هناك مقام الفناء : وهو الفناء في الله تعالى فكيف يكون هذا الفناء وهو مازال في أوحال سدرة المنتهى فلا بدّ من شيخ عارف صاحب سرّ فليخرجه بكيفية من هذا فيدخل عالم الفناء ويترك الكون وراء ظهره فلا يراه بل يراه كما قيل كالهباء في الهواء أو يراه مثل الذرّة بل يفنى من نظره وهو مقام العروج من الحضرة المحمدية إلى حضرة الألوهية ( من كان يعبدا محمد فإن محمد قد مات ) فيستقلّ العارف بعبوديته لربّه بلبّه وسرّه لأنه محال أن يشهده ويشهد معه سواه ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ).
ثمّ إنّ كلّ شيء وقع عليه قوله ( كن ) دخل دائرة الأكوان فلولا قوله له ( كن ) ما صحّ أن يدخل دائرة الأكوان , فالأكوان نتيجة قوله كن وهو الأمر الإلهي الذي تعلّقت به جميع الشرائع الإلهية فالكون كلّه مأمور وهو عبد لا بدّ من الطاعة والإستجابة للأمر والنهي ( ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها ) لأّنهم تحت حكم الأسماء والصفات.
فالفقير متى خرج عن هذا الحكم أي حكم الأسماء والصفات بمعنى خروجه عن الفناء فيهما بالفناء في الذات فخرج عن الأكوان وبقي مع كونه هو فلا بدّ من الفناء عن كونه بالله سبحانه وتعالى لأنّ العبد خلقه الله بيديه ونفخ فيه من روحه فكان لا بدّ من إضمحلال وجوده الحادث لأّنه ليس بموجود تحقيقا مع وجود الله واجب الوجود لأنّ وجوده فرض سبحانه.
ومن هنا شرّع الفرائض التي لا تدلّ إلا عليه فهي معراجك إليه ثمّ على السالك أن يتوب من شهود نفسه وذلك بالفناء عنها وهذه التوبة هي أوّل قدم يضعه السالك في معرفة الله تعالى وهي توبة العارفين في بداية معرفتهم لأنّ التوبة تتجدّد وكلّ مقام يتجدّد ولكنّه يتلوّن بلون آخر أعلى وأرقى ومن هذا المعنى جاءت ألفاظ القرآن مجملة بمعنى أنّ اللفظ القرآني محشور فيه كلّ المقامات والأحوال.
كالخوف مثلا لفظ عام فيه معاني ذلك المقام كلّها فيكون قبضا ثمّ هيبة أي في مقامات الدين الثلاث وهكذا هي التوبة فتوبة السالكين في هذا المقام من مشاهدة الأكوان وفي المقام الأعلى شهود غير الواحد الديان وذلك بالفناء عن نفوسهم فلا يدرون شيئا عنها فهم أموات غير أحياء وإنّما الحياة الحقيقية هي بعد ذلك حين الرجوع من الفناء إلى عالم البقاء ( ذلك هو الحيوان ) وجميع حقائق الأمور هي بعد الفناء تتحقّق.
لذا رجع عليه الصلاة والسلام من المعراج بأحكام الدين ومن ثمّ بدأت الهجرة وبدأ التشريع وفي هذا كمل الدين والدين لا يكمل إلا في عالم البقاء ( اليوم أكملت لكم دينكم ) أي بمراتبه الثلاث ) فكلّ عارف يتلو هذه الآية بلسان الحضرة فعليه أن يستعدّ للإنتقال لعالم الآخرة فقد تمّ مراده وإطمئنّ فؤاده ) فافهم وهذا الفناء عن نفسه لا يمكنه أن يتحقّق إلا بكيفية من شيخ عارف بالله كامل واصل مأذون وارث حقيقيا.
وهذا الخروج يقع بعد الخروج عن مشاهدة الأكوان فيغيب في أنوار حضرة الديّان قال عليه السلام ( لقد أغشاني النور ) فالحقائق على ضربان مشهد العلم السابق فيها والثاني مشهد الوعد اللاحق وهو صورة الوعد السابق الذي سبق في العلم ( إعملوا فإن كلّ ميسّر لما خلق له ) فلا يكون في الأكوان إلا ما سبق به العلم فسيدنا رسول الله سبق علم الله به أنّه نبيّ وآدم بين الروح والجسد فهذا في المشهد العلمي ومن ثمّ في المشهد الغيبي ومن ثمّ وهو مرادنا في عالم الشهادة يجب أن يتحقّق هذا , فالأحمدية هي أسراره والمحمدية هي أنواره والجسمية هي آثاره.
فهذا مشهد من حيث السلوك أمّا من حيث الحقائق فهو صلى الله عليه وسلّم الواسطة العظمى بين الله وخلقه لكن تأبى الألوهية أن تشاهد هذه الواسطة حتى لا تقع في الشرك.
فما دخل هذا بحقيقته الأحمدية وحقيقته المحمدية؟
بل الكلام في مراتب السلوك إلى ملك الملوك.
فليس الأمر ترتيبا حسيّا ولا عقليا فعلى الفقير أن لا يخلط بين المراتب والحقائق.
السؤال السادس والعشرين :
سبق وذكرتم سيدي الغالي (وهكذا لكلّ إنسان قرين : بمعنى أن كلّ مولود من بني آدم لا بدّ أن يولد لإبليس مولودا شيطانا ليكون قرينا لذلك الإنسان ) والسؤال هو :
هل قرين كل انسان يوسوس له وحده أم أن ابن ادم لا يسلم من وسوسة أي شيطان من الشياطين ؟ وبما ان هذا الشيطان القرين هو العدو الاول فالاولى التخلص منه بدل من الحذر فان صح ذلك وان صح سؤالي هل يمكن التخلص من القرين نهائيا وحرقه ؟ وان صح ذلك وتخلص الانسان منه هل هذا يعني سلامة قلبه من القاء شيطان اخر فيه ؟
الجواب والله ورسوله أعلم :
قال أحد الصحابة : كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن أقع فيه.
لأنّ السؤال من حيث ماهيته ينقسم إلى نوعين : سؤال عن الخير , وسؤال عن الشرّ.
وهذه الحقيقة منبعها من حقيقة وهي : أن الرسول صلى الله عليه وسلّم وأي رسول من رسل الله إنّما أرسله الله إلى بني جنسه عامّة أو إلى قومه خاصّة : بشيرا - ونذيرا.
والبشارة والنذارة من أحكام الأسماء والصفات وموضوعيهما : أحكام الجنّة والنّار.
أمّا الجنّة : فحكمها نوراني بحت وهي من أنوار الحقيقة المحمدية لذا كان فاتحها رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم القيامة فالبشارة وقعت بها وبكلّ ما هو من معانيها لذا كان النظر إلى وجه الله يوم القيامة يقع في الجنّة ولا يقع في مكان آخر غيرها أعني تجلّي الجمال المطلق لأنّ الجنّة وأحكامها من أنوار الجمال أو تقول الفضل أو تقول الثواب أو تقول المراتب أو تقول الخصوصية وهكذا في كلّ مراتب كلّ حقيقة وفي حقيقة كلّ مرتبة.
والقرآن يفصّل مراتب كلّ أحد في الدنيا والآخرة ( فيه خبركم وخبر من كان قبلكم وخبر من يأتي بعدكم ) أي خبره ظاهرا وباطنا في الدنيا والآخرة ( فافهم ) لذا كان القرآن الصدق المطلق ( وما يعلم تأويله إلا الله ) فلمّا إحتاج القرآن إلى هذا التأويل قلنا أنّه صفة لأنّ الصفة تحتاج إلى تأويل فهو من حيث هذه الحقائق يحتاج إلى التأويل مثل عالم المرائي فإنّها تحتاج إلى تأويل مع مراعاة الفرق بعد القياس , فلمّا علمنا بأنّه لا يعلم تأويله إلا الله علمنا بأن غيب القرآن بكامله لا يعلمه جملة وتفصيلا إلا الله تعالى.
فعلمنا أنّ القرآن الذي هو صفة المتكلّم وهو الله تعالى إنّما أنزل من مرتبة الألوهية لذا لا يعلم تأويله إلا الله , أمّا من حيث تعليمه بمعنى التحقّق بمقاماته وأحوال الجمال فيه أو تقول بمعنى العبادة فيه لأنّ العبودية جمال محض فهو من حضرة الرحمة تمّ تعليمه ( الرحمان علّم القرآن ) في مرتبة الحقيقة المحمدية الجامعة فما تعلّم أحد من القرآن شيئا إلا من وراء هذه الحقيقة لذا قال بعدها : ( خلق الإنسان علّمه البيان ) فعلمنا بعد هذا الحقائق المحمدية كمراتب بمعنى أنّا علمنا مرتبته في قوله ( الرحمان علّم القرآن ) التي هي وجود الصفات القديمة مع الذات بلا إنفصال ولا إتّصال فلو إتّصلت الصفات لأصبحت هي عين الذات وهذا محال ولو إنفصلت لكانت هي غير الذات وهذا محال.
فلمّا علمنا بعدم إتّصالها وعدم إنفصالها قلنا بعدم إحاطة الصفات بالذات من حيث كونها ذات مجرّدة أي ليست محيطة بباطن الذات فلو إتصلت الصفات لقلنا هي هو فوقعنا في عبادة الصفات كالنصارى الذين عبدوا عيسى فإنّهم قالوا بإتّصاله وأن الله تعالى حالّ فيه وهذا محال عقلا وذوقا وقال أيضا بهذا مع عدم الشعور منهم المعتزلة الذين جعلوا الصفات هي عين الذات جعلوه بعقولهم وإن كان الفارق بينهم وبين غيرهم في العبادة وفي عدم نسبة الألوهية لغير الذات ومن دقّق في مذهبهم علم بطلانه عقلا وذوقا.
أمّا من قال بإنفصال الصفات عن الذات فقد جعلوا لله مكانا وجهة ونزولا وضحكا ولعبا على حقيقته من غير شعور منهم فكانوا مجسّمة ومشبّهة فجعلوا الفارق والقياس بعقولهم من غير ذوق ولا تحقيق وهؤلاء كالوهابية أو الشيعة أو من جرى في فلكهم لأنّ الشيعة قالوا بأنّ الإنسان يخلق فعله وتأوّلوا القرآن على غير وجهه الصحيح لأنّه لا يعلم تأويله إلا الله , فكلّ من كانت له نسبة إلى الله تعالى كان تأويله للقرآن بحسب نسبته من الرحمان ( والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا ) فلا يشاهدون سواه ولا يقع نظرهم على غير معناه.
فصحّت هنا عقيدة الأشاعرة وإرتضاها الله تعالى بأن تكون عقيدة أهل السنّة فهذا وغيره قد يعتقده الجماعة بحسب ما أعطته عقولهم وفهمهم وبحسب ما دلّت عليه النصوص عندهم فكانت النصوص في الحقيقة هي المرآة التي يرى فيها المؤمن دليله أعني دليل وجوده وإشراق نوره سبحانه وتعالى لأنّ النصّ لا يمكن أن يكون دليلا قاطعا متى لم تشهد نور الله فيه , ونور الله فيه هو قوله ( الرحمان علّم القرآن ) فلا بدّ من أن تشتشعر فعله وهو التعليم عند النظر في الدليل أي لا يغيب إسشعارك وجود علم الله فيه لأنه أنزله بعلمه فكان دليلا عليه ولسانا ناطقا لك بين يديه.
أمّا قول من قال من العارفين بأنّ الصفات عين الذات فهذا لإستغراقهم في عين الوحدة ففنى من لم يكن وبقى من لم يزل فهذه مراتب سلوكية ليس كاملة بل هو تحقيق ناقص لذا فإنّ هذا القول لا يدوم لديهم بل سرعان ما يرجعون إلى مشاهدة الصفات وأنّها لا تتصل ولا تنفصل فهي بين وجهين ( ونقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال ) فلو كانت متّصلة أو منفصلة لما صحّ لنا إعتبار أحدية الذات من حيث كونها ذات محض لا تقبل التعدّد ولا الإنقسام ولو لا الوجهين لما صحّت جنّة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب ولما صحّت هناك ظلمة ولا نور.
وقول العلماء لا تنفصل ولا تتّصل ليس نفيا وإعتبار المحال وإنّما إستحالة مادية فقط محسوسة عقلية مجرّدة لذا كان الفكر وعقل الإنسان الشيطان الأكبر متى تفكّر في كنه الصفات وكنه الذات من غير سلوك ( لا تفكّروا في ذات الله وتفكّروا في مخلوقات الله ) كما ورد في الحديث.
لذا كان السالكون يتفكّرون في الخلق ( ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ) لأنّك محال أن تعرفه إلا في غيره لذاك خلق لك هذا الغير لتعرفه فيه ولا غير في الحقيقة وإنّما مرتبة عدم الإنفصال وعدم الإتصال فكانت الحقيقة المحمدية غير منفصلة وغير متّصلة فمتى غاب السالك في سلوكه عن الأسماء والصفات ذهل عن الكلّ لرجوع الصفات إلى الذات فقال لسان حاله ( الصفات لا تنفصل ) وما إن يمرّ إلى المقام الذي بعده إلا قال ( الصفات لا تتصل ) فعلم قدره وعبد ربّه على بصيرة من أمره ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) هكذا قال الله تعالى ثناءا على نبيه صلى الله عليه وسلّم.
فمقام الدعوة إلى الله تعالى يبدأ من هنا لذا قال في آخر الآية : وما أنا من المشركين ) لأنّ الصفات ورغم تعدّدها ليس طريقا إلى الشرك لأنّ حقائقها مجموعة في أحدية الذات وليس طريقا إلى الكفر لأنّها لا تنفصل عن الذات كالذين قالوا : ( وما يهلكنا إلا الدهر ) فالله تعالى واحد في أسمائه واحد في صفاته واحد ذاته والحقيقة كما يقول العارفون ( وهو الآن على ما عليه كان ) فليس ثمّ إله إلا الله تعالى لذا تبرّا سيدنا رسول الله من الشرك في قوله في دعوته إلى الله تعالى ( وما أنا من المشركين ) أي لأدلّك على غيره مهما كان هذا الغير ولو كان كما قال تعالى ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيئين أربابا من دون الله أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ).
ولذا فذكر المقامات والخصوصيات وما فضّل الله به بعضنا على بعض شيء وذكر مراتب السلوك والتوجّه إلى ملك الملوك شيء آخر عظيم.
فنحن نعلم وندري بحسب مرتبة كلّ أحد من المعرفة والعلم خصوصيات رسول الله صلى الله عليه وسلّم وخصوصيات الأنبياء والمرسلين وخصوصيات آل كلّ نبي ورسول عليهم جميعا الصلاة والسلام وما هم عليه من القرب والتحقيق وما عليه حقائقهم من وجوه في المراتب ووو...إلخ ولكنّهم كلّهم يبقون عبيدا لله تعالى.
والطريق إلى الله تعالى هم الرسل والأنبياء فلهم السبق في ذلك وكل عالم و ولي وارث لنبي عليهم جميعا الصلاةوالسلام.
أمّا الطريق إلى الله تعالى فهو له سبحانه فلا يدلّك أي رسول ولا نبي في دعوته إلا على الله تعالى ومحال أن يدلّك على غيره قال عليه الصلاة والسلام ( ما من شيء يقرّبكم من الله تعالى إلا ودللتكم عليه وما من شيء يبعدكم عنه إلا وحذّرتكم منه ) أي أنّه دلّنا على مقام الفناء في الله تعالى عبادة وسلوكا وتحققا وتخلّقا فما دلّنا عليه الصلاة والسلام إلا على الله تعالى.
هذا المقام الأوّل الأصلي , أمّا المقام الثاني فهو مقام الأدب مع الله تعالى من حيث تصرّف أسمائه وصفاته بمعنى أنّ أدبك مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع حقائقه وخصوصياته وما تستوجبه تلك المراتب إنما هو تأدّب منك مع صفاته جلّ وعلا وهكذا بقية أهل الرتب من أنبياء ورسل وأهل ولاية خاصة أو عامة.
ثمّ تتأدّب معه في أسمائه فلا تحقر أحدا ولا تشمت بأحد وتعطي كلّ مرتبة حسن أدبها كفي القتال قال عليه الصلاة والسلام ( لا تقتلوا إمرأة ولا طفلا ولا شيخا ولا تقطعوا شجرة ولا تهلكوا حرثا..).
فالدين دين يسر وليس دين عسر و دين رحمة وليس دين قسوة ثمّ أزيدك هذه الفائدة هل دخل المهاجرون والأنصار إلى هذا الدين بقوّة السيف أم بالدعوة فإنّه لا يوجد مهاجر واحد ولا أنصاري واحد دخل هذا الدين إرغاما وعنفا ( لا إكراه في الدين ) فكانوا أكابر الصدّيقين وسادات الأمّة وهكذا مشرب كلّ مطيع مستسلم لله ورسوله بمجرّد تلاوة هذا القرآن فإنهم آمنوا بالقرآن فكفاهم وأغناهم عن كلّ شيء قال سيّدنا عمر رضي الله عنه لمّا أراد أن يكتب لهم رسول الله صلى الله عليه كتابا : ( حسبنا كتاب الله ) أي ومّا في معناه وسنّة نبيّه لأنّ حاله موسوي رضي الله عنه وكيف لا والله يقول سبحانه : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ).
أمّا النّار : فحكمها ظلماني بحت وهي من ظلمات النفس التي أرادت أن تثبت وجودها وألوهيتها مع ألوهية الله تعالى.
فلمّا كانت في الجنّة كانت صورتها روحانية نورانية لا يخطر على بالها السوء فهي مثل الطفل الرضيع لذا مكث آدم في الجنّة برهة من الزمن وهو بنفس مقياس الزمن الذي يبقى فيه الطفل إلى أن يبلغ درجة البلوغ فتجري عليه الأحكام ويكتب عليه القلم لأن آدم جاءه الخطاب بسكنى الجنّة هو وزوجه وأنت تعلم بأنّ زوجه حواء خلقت من ضلعه الأيسر في الجنّة فما ورد لهما الخطاب إلا معا لأنّ سكنى الجنّة لا يكون إلا زوجا وليس فردا ( فافهم ) لأنّ القلم متعلّقه الأمر والنهي ( رقيب وعتيد ) وحالة المرأة في الحقيقة هي من الحقيقة المحمدية أي الحقيقة الزوجية لذا (ولد يوم الإثنين وهاجر يوم الإثنين وإنتقل يوم الإثنين ) لذا دفن معه في قبره عليه الصلاة والسلام إثنان هما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما : الأوّل : يدلّ على الرقّة التي هي من عالم الصفات , والثاني قويّا في عالم الأسماء أي التشريع أما هو صلى الله عليه وسلّم فلا يدلّ إلا على الذات الصمدية لذا قال أبو بكر في حقيقته من النبي : ( الجلوس بين يديك والنظر إليك وإنفاق جميع مالي عليك ) وقال سيدنا عمر أقوالا لا أذكرها الآن تفضي إلى الأمر بالمعروف وو..وغايته إقامة أمر الله ونهيه لذا كان مضرب الأمثال في هذا رضي الله عنه فلو دفن بجانبهما سيّدنا علي أو سيدنا عثمان لإختلطت الحقائق والمقامات الثلاثة هي دلالة على الوترية في الإسلام والإيمان والإحسان.
إعلم سيدي حباك الله بنوره : أنّ الشيطان القرين المذكور في الكتاب والسنّة إنّما جعله الله قرينا لك كي يفديك الله به من مكانك من النار بمعنى أن الصفات الإلهية تطلبك حيثما كنت فكلّ صفة لك طالبة كصفات الجمال وصفات الجلال كلّه لأن الصفات كل صفة لا حكم لها على الصفة الأخرى فأنت تهرب من صفات الجلال إلى صفات الجمال والقرين بعكسك يهرب من صفات الجمال إلى صفات الجلال ...وهنا هناك بحور من العلم ..نستعرضها في المستقبل حتى نكمل الجواب على هذا السؤال.
والله أعلم وبالله التوفيق





0 التعليقات:
إرسال تعليق