بسم الله الرحمان الرحيم
ثمّ من باب آخر قد يكون الذاكر به ذكر على غير معرفة ولا قصد به كأن مرّ بزاوية شيخ عارف في مناسبة مولد أو في حضرة فهذا في حكم ذلك الشيخ في تلك الزاوية لأنّه لم ينفرد بذكر إسمه ( هــو ) لوحده أو اتّخذه وردا لأنّ هذا الإسم غالبا ما يذكر بصفة جماعية خاصّة في حضرة كإسم الصدر ( آه ) فهو خاص في الخصوص فهذا صحيح كون الصوفية هم في حدّ ذاتهم خاص في خصوص بالنسبة للأمّة الإسلامية فهذا ذكر خاص بهم ولكن يبقى السؤال : هل هو من الشرع أي هل يتناوله حكم الشرع ؟
فالجواب : أنّ حكم الشرع يتناوله ولا شكّ إذ أنّ جميع أذكار أئمّة التصوّف ممّن يعتدّ بهم في طريق الله تعالى لا تخرج عن الكتاب والسنّة ولا عن الأحكام الشرعية فلو قلنا من حيث حكم الشرع هل يجوز ذكر إسم ( هــو ) فنقول : نعم لكن بشروط , فتلك الشروط هي التي أخرجته إلى حيّز الخصوص وهذا من قبيل الخاص والعام في القرآن كالعموم المراد به الخصوص أو خصوص مراد به عموم أو كمقيّد ومطلق ونظير هذا في الأحكام الفقهية كثير يمكنك الوقوف عليه .
لذا حرّر ساداتنا المسائل فاستنبطوا من القرآن والسنّة أحكاما ومسائل نظير ما فعله الفقهاء في اجتهاداتهم ومسائلهم الفقهية كما نبّه على هذا الإمام سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه فقد تجد المسألة الواحدة لها أكثر من حكم لأنّ الحقيقة قد تتعدّد أوجهها وكلّها صحيحة ونظير هذا من باب قوله تعالى ( فأينما تولّوا فثمّ وجه الله ) لذا تعدّدت المشارب فتعدّد بتعدّدها الطرق ومنها تعدّد الأولياء وقد أوضح هذا الإمام البوصيري سيدي محمد رضي الله عنه في البردة بقوله ( وكلّهم من رسول الله ملتمس --- غرفا من البحر أو رشفا من الديم ).
فالأمر العام هو ما يفرض على العموم وهو الأمر المتوجّب عينا على كلّ مسلم ومسلمة كالأذكار الواردة في الكتاب والسنّة أو يكون سنّة مؤكّدة أو غير مؤكّدة أو نافلة مستحبّة أو جائزة .. فعندما نقول مثلا : ذكر الله هل هو فرض أو جائز فنجيب بل هو فرض لازم لوردود الأمر بذلك في القرآن والسنّة كقوله تعالى ( واذكروا الله ذكرا كثيرا وسبّحوه بكرة وأصيلا ) لأنّ الأمر إذا أطلق في اللغة يراد به الوجوب على قدر إستطاعة كلّ أحد فليس استطاعة النبيئين كاستطاعة الصالحين فضلا عن العوام كما ورد أنّه صلى الله عليه وسلّم يذكر الله تعالى على كلّ أحيانه أي لا ينقطع عن الذكر فليس هذا في مقدور كلّ المسلمين كمواصلة الصيام منه صلى الله عليه وسلّم .
فإذا كان عليه الصلاة والسلام خصّص بأشياء ليس في طاقة أحد من أمّته القيام بها فكذلك خصّص صلى الله عليه وسلّم أولياء أمّته باشياء لا طاقة للعوام القيام بها كالسلوك مثلا ليس هو معطى لكلّ أحد بل هناك من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولكنّه لم يفتح عليه بالفتح الكبير في المعرفة رغم أفضليتهم وعظمة مرتبتهم عند الله تعالى ومهما حاز العارف من بعدهم من معارف وكمالات فلا يصل إلى درجتهم لأنّهم أصحاب خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبهذا الشرف حازوا كلّ أفضلية وأسبقية فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم منهم العارف ومنهم غير العارف ومنهم العالم الفقيه ومنهم غير ذلك بل هم درجات كثيرة فليسوا هم على مقياس واحد ولا درجة واحدة بل هم مراتب كثيرة ...
فقول من قال ( نحن على أقدام السلف ) فيه خلط وتضليل فإنّ السلف يتفارقون في المقامات والأحوال فلو كانوا فعلا على أقدام السلف لشاهدنا فيهم أحوال ومقامات وعلوم ومعارف أهل السلف ولكن هذا لم يحصل .. ( فافهم ) لأنّ سندهم الروحي مقطوع وليس موصول بالسلف .. إلاّ العلماء الحقيقيين فإنّ سندهم بالسلف موصول لكن ليس في كلّ باب فقد يكون سندهم الفقهي موصول أو الحديثي أو القرائي لكن سندهم التصوّفي غير موصول فلا يحصل الكمال إلاّ بالسند الصوفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأهل الله تعالى من أهل الطريقة موصولون برسول الله صلى الله عليه وسلّم كما قال البوصيري رضي الله عنه ( وكلهم من رسول الله ملتمس --- غرفا من البحر أو رشفا من الديم ) فالعالم قد يكون نال رشفة أمّا العارف فهو مغترف من باب فإن لم يصبها وابل فطلّ ...
لذا أسسّ أهل الله تعالى طريقهم على أصول صريحة من الكتاب والسنّة فلا يرجع تحرير مسائل التصوّف إلى نظر الفقيه وحكمه بل إلى نظر الجامع بين الشريعة والحقيقة كسيدي أحمد زروق الفاسي رضي الله عنه وجميع ساداتنا من الذين جمعوا بين الشريعة والحقيقة خصوصا أهل الطريقة الشاذلية المعروفون بالجمع بين الشريعة والحقيقة في أعلى مراتبهما ...
فالرجوع إلى تجويز الأذكار من عدمها لا يختصّ بالفقيه الغير سالك بل يرجع النظر والأمر في ذلك إلى أهل الطريق من كمّل العارفين بالله تعالى لأنّ الفقيه قد تجده ينكر أصول الطرق من أصلها بل وينكر على كبار العارفين بالله تعالى كما أنكر قاضي قضاة تونس ابن البراء على الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وهو الذي تسبب في إخراجه من تونس إلى مصر رضي الله عنه حتى جاءه هاتف وهو في عرفة يوم الحجّ الأكبر بالدعاء على ابن البراء فرفض الدعاء عليه فجاءه الخطاب أنّ حجّك مردود عليك وحجّ كلّ من في الموقف مردود عليهم إذا لم تدعو عليه فدعاء عليه رحمة بالحجّاج لا انتقاما لنفسه ومن جملة ما دعا به عليه ( .. اجعل قبره مزبلة ..) فمن يذهب الى تونس يرى الأمر كذلك كما دعا عليه بسلب الإيمان كما قال الخضر ( ما فعلته عن أمري ) وقد دعا نوح على قومه من قبل ودعا موسى عليهم جميعا السلام ... ويكفي قول الله تعالى في الحديث القدسي ( من آذى لي وليّا فقد آذنته بحرب ) أي مهما كان هذا المؤذي لذلك الوليّ ولو كان شيخا للإسلام فإنّ الله تعالى سيؤذنه بحرب ..
فهناك سيدي أمران يجب فهمهما الفهم الصحيح الأوّل شريعة الإسلام والإيمان والثاني : شريعة الإحسان ...
فلطريق الله تعالى شرع يسميه أهل الله تعالى ( شرع الطريقة ) وهو طبعا من شرع الدين ولكن بحسب أصول طريقة السلوك والأذكار والسير إلى الله تعالى .. ومثالا على ذلك : الذكر بالإسم المفرد لا يكون للعوام أصلا بل لا يكون إلاّ بإذن من عارف بالله تعالى مأذون ويكون ذكر العبد به تحت نظر ورعاية وتربية الشيخ فالأمور مقيّدة ومن هنا أدخل ساداتنا مريديهم الخلوة تحت إشرافهم ...
فليس الأمر للعموم بل واجب على أهل السلوك فلا سلوك بلا ذكر مأذون قطعا فالطريقة أصولها وفروعها وقد ابان سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه أصول التصوّف خصوصا في كتابه قواعد الصوفية وكذلك كفي كتب سيدي أحمد زروق رضي الله عنه وكتابه الفذّ قواعد التصوّف وكذلك كتاب الحكم العطائية الذي هو دستور السالكين بامتياز لم يؤلّف مثله في التصوّف وكذلك كتاب الرسالة القشرية التي هي كتاب تأصيل التصوّف للصوفيين وليس للعوام بل كتَب القشيري رضي الله عنه رسالته للصوفية في مشارق الأرض ومغاربها ولا أدري ما الداعي الذي دعى ابن تيمية رحمه الله تعالى للردّ على الرسالة والخوض فيها بما يجهله ولا يدريه لأنّه لم يذقه فمعرفة التصوّف وفهمه لا تحصل إلاّ بالذوق ونعني هنا مكابدة الأحوال والمقامات وهذا لم يحصل للفقهاء لأنّه خاص بالأولياء ..
لذا قيل صحّ إنكار الفقيه على الصوفي ولا يصحّ إنكار الصوفي على الفقيه .. فلا ينكر على العارفين إلاّ محجوب مطموس البصيرة .. نعني بخصوص التصوّف أمّا من حيث الإنكار على الفقيه من حيث فقهه وعلمه فهذا لا يجوز وهو حرام قطعا بل لقد عظّم ساداتنا الأولياء علماء الشريعة في كلّ مكان وزمان وغاية أمرهم أنّهم ينكرون عليهم فيما أدخلوا فيه نفوسهم مما لا يفهمونه ولا يقدرون عليه ...
هل إسم ( الهــو ) يوقع في الحلول والإتحاد لمن ذكر به ؟ فأقول أنّ الأمر يحتاج إلى تفصيل بعمق لا بسطحية أو مجازفة كالتي حصلت من الأخ كاتب ذلك الموضوع من حيث أنّه من جهة طرح للمسألة نحويا ولغويا فحكم بأنّ ( هــو ) ضمير الغائب المنفصل لا يفيد لفظه منفردا لأنّه ليس بكلام مفيد على قاعدة النحاة كقولهم كلامنا لفظ مفيد كاستقم فهو عندهم من ناحية ليس بكلام مفيد يحسن بالمتكلم وفهم السامع السكوت عليه لإفادته ومن ناحية أخرى أنّه يوقع في الحلول والاتحاد فإذا كان كلاما غير مفيد فأنّى له أن يوقع في الحلول والإتحاد ؟
فهو تناقض من هذه الحيثية لأن الكلام الناقص الغير مفيد إفادة كاملة لا يمكن أن يكون لفظة مفردة بل يكون متألّفا من كلمتين أو أكثر لكن لم تحصل الإفادة به أمّا أن يكون اللفظ في ذاته مفيدا أو غير مفيد فهذا بحث آخر فإن قلت أن اللفظة في ذاتها قد تحمل معنى فيكون الرد مهما حملت من معنى فلا يمكن لها الإفادة على حسب قاعدة الكلام الذي يجب أن يكون متألّفا من كلمتين فأكثر وكذلك في السلب من حيث عدم إفادة اللفظة فكيف إذن قولنا في الضمائر أو الحروف ...؟ فهي أبعد بلا شكّ .. وعليه خرج تصوّرنا الخاطئ لمثل تلك المسائل ..
فخرج كون الكلام المفيد نحويا هو نفس الكلام المفيد عند أهل اللغة كقولهم في الإشارة عند اللغويين أنّها كلام تام مفيد فافترق الكلام هنا بحسب مناطه ومدلولاته وبحسب موضوع كل فريق ...
نرجع فنقول أنّ الذكر بإسمه ( هــو ) لا دليل على أنّه يوقع في الإتّحاد والحلول ومن عنده الدليل والشاهد فليكتبه هنا بل المعروف أنّ ابن القيّم رحمه الله تعالى كتب في كتابه على ما أظنّ ( الكلم الطيّب ) عن الذكر وصرّح بأنّ الذكر بإسمه سبحانه المفرد ( اللـــه ) يوقع في الحلول والإتحاد لهذا صرّح وحكم بعدم جواز الذكر به وعليه أتباعه من الوهابية اليوم المحرّمون لكلّ توجّه صحيح وصريح نحو سلوك طريق الأحوال والمقامات والغيبة عن خواطر وأوهام هذه الكائنات والعروج بالروح والقلب إلى ربّ الأرضين والسموات ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) .
ثمّ من باب آخر قد يكون الذاكر به ذكر على غير معرفة ولا قصد به كأن مرّ بزاوية شيخ عارف في مناسبة مولد أو في حضرة فهذا في حكم ذلك الشيخ في تلك الزاوية لأنّه لم ينفرد بذكر إسمه ( هــو ) لوحده أو اتّخذه وردا لأنّ هذا الإسم غالبا ما يذكر بصفة جماعية خاصّة في حضرة كإسم الصدر ( آه ) فهو خاص في الخصوص فهذا صحيح كون الصوفية هم في حدّ ذاتهم خاص في خصوص بالنسبة للأمّة الإسلامية فهذا ذكر خاص بهم ولكن يبقى السؤال : هل هو من الشرع أي هل يتناوله حكم الشرع ؟
فالجواب : أنّ حكم الشرع يتناوله ولا شكّ إذ أنّ جميع أذكار أئمّة التصوّف ممّن يعتدّ بهم في طريق الله تعالى لا تخرج عن الكتاب والسنّة ولا عن الأحكام الشرعية فلو قلنا من حيث حكم الشرع هل يجوز ذكر إسم ( هــو ) فنقول : نعم لكن بشروط , فتلك الشروط هي التي أخرجته إلى حيّز الخصوص وهذا من قبيل الخاص والعام في القرآن كالعموم المراد به الخصوص أو خصوص مراد به عموم أو كمقيّد ومطلق ونظير هذا في الأحكام الفقهية كثير يمكنك الوقوف عليه .
لذا حرّر ساداتنا المسائل فاستنبطوا من القرآن والسنّة أحكاما ومسائل نظير ما فعله الفقهاء في اجتهاداتهم ومسائلهم الفقهية كما نبّه على هذا الإمام سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه فقد تجد المسألة الواحدة لها أكثر من حكم لأنّ الحقيقة قد تتعدّد أوجهها وكلّها صحيحة ونظير هذا من باب قوله تعالى ( فأينما تولّوا فثمّ وجه الله ) لذا تعدّدت المشارب فتعدّد بتعدّدها الطرق ومنها تعدّد الأولياء وقد أوضح هذا الإمام البوصيري سيدي محمد رضي الله عنه في البردة بقوله ( وكلّهم من رسول الله ملتمس --- غرفا من البحر أو رشفا من الديم ).
فالأمر العام هو ما يفرض على العموم وهو الأمر المتوجّب عينا على كلّ مسلم ومسلمة كالأذكار الواردة في الكتاب والسنّة أو يكون سنّة مؤكّدة أو غير مؤكّدة أو نافلة مستحبّة أو جائزة .. فعندما نقول مثلا : ذكر الله هل هو فرض أو جائز فنجيب بل هو فرض لازم لوردود الأمر بذلك في القرآن والسنّة كقوله تعالى ( واذكروا الله ذكرا كثيرا وسبّحوه بكرة وأصيلا ) لأنّ الأمر إذا أطلق في اللغة يراد به الوجوب على قدر إستطاعة كلّ أحد فليس استطاعة النبيئين كاستطاعة الصالحين فضلا عن العوام كما ورد أنّه صلى الله عليه وسلّم يذكر الله تعالى على كلّ أحيانه أي لا ينقطع عن الذكر فليس هذا في مقدور كلّ المسلمين كمواصلة الصيام منه صلى الله عليه وسلّم .
فإذا كان عليه الصلاة والسلام خصّص بأشياء ليس في طاقة أحد من أمّته القيام بها فكذلك خصّص صلى الله عليه وسلّم أولياء أمّته باشياء لا طاقة للعوام القيام بها كالسلوك مثلا ليس هو معطى لكلّ أحد بل هناك من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولكنّه لم يفتح عليه بالفتح الكبير في المعرفة رغم أفضليتهم وعظمة مرتبتهم عند الله تعالى ومهما حاز العارف من بعدهم من معارف وكمالات فلا يصل إلى درجتهم لأنّهم أصحاب خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبهذا الشرف حازوا كلّ أفضلية وأسبقية فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم منهم العارف ومنهم غير العارف ومنهم العالم الفقيه ومنهم غير ذلك بل هم درجات كثيرة فليسوا هم على مقياس واحد ولا درجة واحدة بل هم مراتب كثيرة ...
فقول من قال ( نحن على أقدام السلف ) فيه خلط وتضليل فإنّ السلف يتفارقون في المقامات والأحوال فلو كانوا فعلا على أقدام السلف لشاهدنا فيهم أحوال ومقامات وعلوم ومعارف أهل السلف ولكن هذا لم يحصل .. ( فافهم ) لأنّ سندهم الروحي مقطوع وليس موصول بالسلف .. إلاّ العلماء الحقيقيين فإنّ سندهم بالسلف موصول لكن ليس في كلّ باب فقد يكون سندهم الفقهي موصول أو الحديثي أو القرائي لكن سندهم التصوّفي غير موصول فلا يحصل الكمال إلاّ بالسند الصوفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأهل الله تعالى من أهل الطريقة موصولون برسول الله صلى الله عليه وسلّم كما قال البوصيري رضي الله عنه ( وكلهم من رسول الله ملتمس --- غرفا من البحر أو رشفا من الديم ) فالعالم قد يكون نال رشفة أمّا العارف فهو مغترف من باب فإن لم يصبها وابل فطلّ ...
لذا أسسّ أهل الله تعالى طريقهم على أصول صريحة من الكتاب والسنّة فلا يرجع تحرير مسائل التصوّف إلى نظر الفقيه وحكمه بل إلى نظر الجامع بين الشريعة والحقيقة كسيدي أحمد زروق الفاسي رضي الله عنه وجميع ساداتنا من الذين جمعوا بين الشريعة والحقيقة خصوصا أهل الطريقة الشاذلية المعروفون بالجمع بين الشريعة والحقيقة في أعلى مراتبهما ...
فالرجوع إلى تجويز الأذكار من عدمها لا يختصّ بالفقيه الغير سالك بل يرجع النظر والأمر في ذلك إلى أهل الطريق من كمّل العارفين بالله تعالى لأنّ الفقيه قد تجده ينكر أصول الطرق من أصلها بل وينكر على كبار العارفين بالله تعالى كما أنكر قاضي قضاة تونس ابن البراء على الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وهو الذي تسبب في إخراجه من تونس إلى مصر رضي الله عنه حتى جاءه هاتف وهو في عرفة يوم الحجّ الأكبر بالدعاء على ابن البراء فرفض الدعاء عليه فجاءه الخطاب أنّ حجّك مردود عليك وحجّ كلّ من في الموقف مردود عليهم إذا لم تدعو عليه فدعاء عليه رحمة بالحجّاج لا انتقاما لنفسه ومن جملة ما دعا به عليه ( .. اجعل قبره مزبلة ..) فمن يذهب الى تونس يرى الأمر كذلك كما دعا عليه بسلب الإيمان كما قال الخضر ( ما فعلته عن أمري ) وقد دعا نوح على قومه من قبل ودعا موسى عليهم جميعا السلام ... ويكفي قول الله تعالى في الحديث القدسي ( من آذى لي وليّا فقد آذنته بحرب ) أي مهما كان هذا المؤذي لذلك الوليّ ولو كان شيخا للإسلام فإنّ الله تعالى سيؤذنه بحرب ..
فهناك سيدي أمران يجب فهمهما الفهم الصحيح الأوّل شريعة الإسلام والإيمان والثاني : شريعة الإحسان ...
فلطريق الله تعالى شرع يسميه أهل الله تعالى ( شرع الطريقة ) وهو طبعا من شرع الدين ولكن بحسب أصول طريقة السلوك والأذكار والسير إلى الله تعالى .. ومثالا على ذلك : الذكر بالإسم المفرد لا يكون للعوام أصلا بل لا يكون إلاّ بإذن من عارف بالله تعالى مأذون ويكون ذكر العبد به تحت نظر ورعاية وتربية الشيخ فالأمور مقيّدة ومن هنا أدخل ساداتنا مريديهم الخلوة تحت إشرافهم ...
فليس الأمر للعموم بل واجب على أهل السلوك فلا سلوك بلا ذكر مأذون قطعا فالطريقة أصولها وفروعها وقد ابان سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه أصول التصوّف خصوصا في كتابه قواعد الصوفية وكذلك كفي كتب سيدي أحمد زروق رضي الله عنه وكتابه الفذّ قواعد التصوّف وكذلك كتاب الحكم العطائية الذي هو دستور السالكين بامتياز لم يؤلّف مثله في التصوّف وكذلك كتاب الرسالة القشرية التي هي كتاب تأصيل التصوّف للصوفيين وليس للعوام بل كتَب القشيري رضي الله عنه رسالته للصوفية في مشارق الأرض ومغاربها ولا أدري ما الداعي الذي دعى ابن تيمية رحمه الله تعالى للردّ على الرسالة والخوض فيها بما يجهله ولا يدريه لأنّه لم يذقه فمعرفة التصوّف وفهمه لا تحصل إلاّ بالذوق ونعني هنا مكابدة الأحوال والمقامات وهذا لم يحصل للفقهاء لأنّه خاص بالأولياء ..
لذا قيل صحّ إنكار الفقيه على الصوفي ولا يصحّ إنكار الصوفي على الفقيه .. فلا ينكر على العارفين إلاّ محجوب مطموس البصيرة .. نعني بخصوص التصوّف أمّا من حيث الإنكار على الفقيه من حيث فقهه وعلمه فهذا لا يجوز وهو حرام قطعا بل لقد عظّم ساداتنا الأولياء علماء الشريعة في كلّ مكان وزمان وغاية أمرهم أنّهم ينكرون عليهم فيما أدخلوا فيه نفوسهم مما لا يفهمونه ولا يقدرون عليه ...
هل إسم ( الهــو ) يوقع في الحلول والإتحاد لمن ذكر به ؟ فأقول أنّ الأمر يحتاج إلى تفصيل بعمق لا بسطحية أو مجازفة كالتي حصلت من الأخ كاتب ذلك الموضوع من حيث أنّه من جهة طرح للمسألة نحويا ولغويا فحكم بأنّ ( هــو ) ضمير الغائب المنفصل لا يفيد لفظه منفردا لأنّه ليس بكلام مفيد على قاعدة النحاة كقولهم كلامنا لفظ مفيد كاستقم فهو عندهم من ناحية ليس بكلام مفيد يحسن بالمتكلم وفهم السامع السكوت عليه لإفادته ومن ناحية أخرى أنّه يوقع في الحلول والاتحاد فإذا كان كلاما غير مفيد فأنّى له أن يوقع في الحلول والإتحاد ؟
فهو تناقض من هذه الحيثية لأن الكلام الناقص الغير مفيد إفادة كاملة لا يمكن أن يكون لفظة مفردة بل يكون متألّفا من كلمتين أو أكثر لكن لم تحصل الإفادة به أمّا أن يكون اللفظ في ذاته مفيدا أو غير مفيد فهذا بحث آخر فإن قلت أن اللفظة في ذاتها قد تحمل معنى فيكون الرد مهما حملت من معنى فلا يمكن لها الإفادة على حسب قاعدة الكلام الذي يجب أن يكون متألّفا من كلمتين فأكثر وكذلك في السلب من حيث عدم إفادة اللفظة فكيف إذن قولنا في الضمائر أو الحروف ...؟ فهي أبعد بلا شكّ .. وعليه خرج تصوّرنا الخاطئ لمثل تلك المسائل ..
فخرج كون الكلام المفيد نحويا هو نفس الكلام المفيد عند أهل اللغة كقولهم في الإشارة عند اللغويين أنّها كلام تام مفيد فافترق الكلام هنا بحسب مناطه ومدلولاته وبحسب موضوع كل فريق ...
نرجع فنقول أنّ الذكر بإسمه ( هــو ) لا دليل على أنّه يوقع في الإتّحاد والحلول ومن عنده الدليل والشاهد فليكتبه هنا بل المعروف أنّ ابن القيّم رحمه الله تعالى كتب في كتابه على ما أظنّ ( الكلم الطيّب ) عن الذكر وصرّح بأنّ الذكر بإسمه سبحانه المفرد ( اللـــه ) يوقع في الحلول والإتحاد لهذا صرّح وحكم بعدم جواز الذكر به وعليه أتباعه من الوهابية اليوم المحرّمون لكلّ توجّه صحيح وصريح نحو سلوك طريق الأحوال والمقامات والغيبة عن خواطر وأوهام هذه الكائنات والعروج بالروح والقلب إلى ربّ الأرضين والسموات ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ) .





0 التعليقات:
إرسال تعليق