بسم الله الرحمان الرحيم -
والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه.
النفس هي تلك الأفعى العظيمة السامّة أو قل هي ذاك الثعبان الكبير الذي بين جنبيْ الإنسان وقد لا يحسّ به أو يشعر ولا خبر له عنه , فالنفس أخطر شيء يهابه السالكون لطريق الله تعالى ويخشى منه العارفون الواصلون ويحذره كمّل العارفين بالله تعالى لأنّهم لا ثقة لهم أبدا بما عليه نفوسهم في حقيقتها وما عليه من دسائس خفيّة قلّ من يهتدي إلى فكّها وحلّها .
لأنّ أعظم سلاح تستعمله النفس هو سلاح الخفاء لذا كان جهادها أصعب كثيرا من جهاد الكفّار وإنّ من أصعب الخواطر اكتشافا هي خواطر النفس لأنّ النفس تتلوّن بحسب المقامات وترتقي مع السالك إلى حيث سار وحطّ به الترحال فموتها في الحقيقة هو عبارة عن تلوّنها في صفات عدّة كما أشار إلى ذلك سيدي محمد المداني رضي الله عنه فتبدّل جلدها بجلد آخر أرقى وأعلى وهكذا فإذا لم تبلغ النفس مقام النفس الكاملة وهو مقام الكمال الذي يتكلّم عنه الأولياء فلا سلامة معها أصلا.
لذا نقول : عارف بالله , ونقول : عارف بالله كامل , وقد يسأل السائل : هل العارف معرّض للسقوط و الرجوع ؟
فالجواب:
نعم متى ما لم يبلغ صفة أهل الكمال , ثمّ إنّ الكثير من الناس يفهم صفة الكمال على غير تفسيرها الحقيقي فيظنّها نهاية مجاهدة النفس أو أنّه بصفة أدقّ ( أمن مكر الله ) فيا ليت قومي يسمعون حينما سنتكلّم إن شاء الله تعالى في موضوع ( صفة المكر الإلهي ) كي تخرّ الأذقان ساجدة لله تعالى سجودها الأبدي من دون رفع فإنّه على قدر الرفع تكون النفس جاهزة للحرابة.
لقد كان إبليس عارفا به تعالى بلغ من التنوير قبل أن تلعب به نفسه فلعن وطرد ما لم يبلغه الكثير من السالكين اليوم , ثمّ إنّ السامري كان من العارفين بالله تعالى فاستزلّته نفسه في مقامات عالية وأحوال راقية التي سنبيّنها إن شاء الله تعالى خلال بقيّة هذا الموضوع حتّى أنّه لمّا سأله نبيّ زمانه سيّدنا موسى عليه السلام بقوله ( ما خطبك )عن فعله ذلك من حيث التلبيس في التحقيق صرّح علنا بقوله ( وكذلك سوّلت لي نفسي ) فما ذكر غير تسويل ( النفس ) فهو في هذا الجانب محقّ من حيث أنّه أخبر بالصدق الذي هو ( تسويل النفس ) وإنّ في قصّة السامري لعبر كبار ومزالق كثيرة شديدة الخطورة لأنّها في مقامات عالية راقية دقيقة.
فالعبد الفقير لن أتناول ذكر النفس من حيث اصطلاحات القوم أو مراتبها من حيث أنّها تكون أمّارة ثمّ لوّامة ثمّ مطمئنة إلى بقية درجات تلوّناتها ولن أذكر اصطلاح القوم من حيث أنّها تكون نفسا ثمّ قلبا ثمّ روحا ثمّ سرّا لأنّ هذه مراتب اصطلاحيّة سلوكية بين القوم تعارفوا عليها بدليل القرآن, ولكن حديثنا في أمر آخر.
فقلنا أنّ النفس لا تموت بل موتها عبارة عن تبدّل صفاتها من صفة إلى صفة أخرى أرقى منها وألطف وأدقّ وأكمل ولكن بالنهاية تبقى تلك النفس نفسا يترصّدها إسمه تعالى ( العدل ) لأنّ الله تعالى بصير خبير سميع قال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) فانظر حباك الله بفضله كيف جمع الله تعالى لك وقرن أمرين هما : وسوسة النفس وأنّه أقرب إليك من حبل الوريد كي تعلم ماهية النفس في إشارة لا مثيل لها كي تلزم حدود عبوديتك في جميع المقامات والأحوال فإنّ هذا هو كمال الحفظ فكلّما خرجت من ذلك الإستشعار وأنّه أقرب إليك من حبل الوريد كلّما علم ما توسوس به نفسك فمكر الله بك من حيث لا تدري وهذا حال إبليس والسامري ومن سار على مثل سيرهم من السالكين.
نعم قد يكون الشيطان شيخا لبعض المريدين وبعض السالكين كما قال العارفون ( من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان ) لأنّ الشيطان خبير بما عليه طريق السلوك ويفهمه غاية الفهم و لكن عن طريق تجسّسه على النفس كي يعرف ماذا يلقي وما ليس من الممكن إلقاءه فهو خبير بذلك شديد المكر فذهب العارفون إلى مجاهدة تلك النفس في جميع المقامات وبلا هوادة بل بسياسة وحنكة فرضي الله عنهم أجمعين.
وإنّ أوّل من نبّهنا إلى خطورة تلك النفس بعد الله تعالى هو سيّدنا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام فكان يستفتح خطبه بقوله ( نعوذ بالله من شرور أنفسها ) وهو على ما هو عليه من المقامات والكمال والعصمة صلى الله عليه وسلّم فما قال ذلك إلاّ لأنّه سيّد العارفين بالله تعالى ومعلّمهم صلى الله عليه وسلّم فبدأ بذكر شرّ النفس وهو في مقام النبوّة المصون رغم أنّه معصوم منها ومن شرّها صلى الله عليه وسلّم.
ثمّ هذا السامري الذي قال ( وكذلك سوّلت لي نفسي ) فإنّ النفس تسوّل لصاحبها كلّ شيء من الأفعال والأحوال والمقامات إلى درجة أنّها تسوّل لصاحبها أنّه إله كما سيقع عند خروج الدجال لعنه الله تعالى , فإنّه في بداية أمره تسوّل له نفسه أنّه وليّ صالح فيرتضي الناس منه ذلك إلاّ أهل المعرفة الكاملة فإنّهم لا يرتضون منه ذلك , ثمّ تسوّل له بعد ذلك أنّه نبيّ فيرتضي الناس منه ذلك فيتّبعونه , ثمّ تسوّل له في النهاية أنّه إله حتّى أنّه يأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت.
لأنّه وصل إلى حقائق معكوسة في طريق السلوك في عهد موسى عليه السلام فذهبت به النفس مذهبا بعيدا من حيث فهم التصريف وفهم تجسّد الإله في المذهب المادي بعلوم دقيقة ولكنّها ظلمانية يعقلها العارفون ثمّ إنّ ذلك التسويل من النفس قد لا يعلم به صاحبه وهو الغالب لأنّ مدارك تلبيسات النفس خفيّة فكلّما خفي المقام كلّما خفيت تلبيساتها ولا ينجى منها إلاّ قليل ( وقليل من عبادي الشكور ) هذا السامري سوّلت له نفسه عمل العجل فأشار إليه بأنّه إله فقد قصد مقامات دقيقة ملتبسة بعدما ٍرأى أثر جبريل عليه السلام.
وقد ورد أنّ الدجّال أيضا سيرى جبريل وميكائيل على أبواب مكّة والمدينة وكذلك الملائكة بسيوفهم يمنعونه كي تعلم مستوى كشف الدجال وإنّ ما سيفعله الدجال هو حوصلة طغيان النفس الإبليسية ودسائسها , فالسامري عارف زلّت به نفسه وكذلك إبليس لعنهما الله تعالى وكذلك من سار في السلوك على دربهما وهذا واقع لا محاولة في أمّة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم وله شواهد من أحاديث نبويةّ عديدة.
فإذا علمت حقيقة تلبيس النفس وخطرها العظيم كما ترى من حكاية إبليس والسامري لعنهما الله تعالى تفهم أمرا آخرا وهو أنّ النفس تدافع على مكانتها الوجودية لذا سأل إبليس في قوله ( فانظرني ) ثمّ أنظر الله تعالى كذلك السامري لأنّ النفس متى وصلت إلى ما وصلوا إليه من الفهم والسلوك طلبت حقّها الدنيوي بما أنّها رضيت بالحياة الدنيا وعليها تعمل فباعت الآخرة واستغنت عن حكم الصفات بطلبها حكم الأسماء حسدا لآدم عليه السلام لأنّها فهمت أنّ مستوى الخلافة هو مقام خصوصي رغم أنّه مقام عبودية صرفة ليس فيه للنفس ذرّة من حظّ .
قد يسأل سائل :
هل يعلم من سوّلت له نفسه بتسويلها ؟
فالجواب :
قد يعلم متى أراد الله به خيرا ليتوب فيتّهمها وهو النادر وقد لا يعلم وهو الغالب لأنّه في تلك الحالة من التلبيس يصبح نفسا خالصة ولكن في درجة عليا لطيفة رقيقة دقيقة مثلما تقول في الشاهد : هو غائب فاني في نفسه عوضا عن الفناء في الله تعالى فتتجسّد له نفسه على أنّها إله فيشاهد ما لا طاقة له به من تسويل النفس.
وقد حذٍر الإمام القشيري رضي الله عنه في رسالته في نصيحة المريدين من هذا الأمر لأنّ علامة الفاني في نفسه تجده لا يذكرها إلاّ بخير ولا يمدح أحدا قبلها ولا يثني عليها إلاّ بما هو خير لذا أوصانا عليه الصلاة والسلام بأن نحثو التراب في وجوه المدّاحين لأنّهم يعينوننا على إحياء النفس وبعثها من مرقدها إلاّ الشكر فهو واجب وكذلك ذكر الصفات الحسنة التي أكرم الله تعالى بها الإنسان فإنّه من شكر النعم.
مرّة كتبت إلى شيخنا برسالة أصفه بأنّه شيخ الإسلام فأجابني في رسالة ( أنا لست بشيخ للإسلام ولا من فرسان هذا الميدان بل أنا عبد مسلم أعصي وأتوب وأخطئ وأصيب وأني أرفع همّتك عن الإشتغال بمثل هذا و ما عليك إلاّ بذكر الإسم المفرد ....) أو ما في معنى هذا الكلام وقد كتبته سابقا بنصّه , فكنت أتعلّم منه فالحمد لله فما خانني شيخي قطّ في طريق الله وما غشّني قطّ وما مدحني قطّ في وجهي بل لا يفعل إلاّ ما يوحي بالغضب وتجهيلي فوالله لو نعطي ملئ الأرض ذهبا لمشائخنا ما رددنا لهم ذرّة من الجميل فجازاهم الله عنّا وعن المسلمين خيرا.
ثمّ إنّ العبد متى سوّلت له نفسه بأمور عظام وخطوبا جسام كما نراه اليوم من مدّعي الولاية وهو لا يزال في طور النفس الأمّارة بالسوء فضلا عن دعوى المهدية فمثلما تقول هم في غيبوبة أنفسهم وهم تحت هذا مقهورين قهرا نفسيا لدخولهم الطريق بعلل ولم يأخذوا تربيتهم على أيدي أهل التربية إلى حين بلوغ الكمال بل قضت عليهم كتب أهل الحقيقة فأهلكتهم لأنّه لا سلوك لهم.
ثمّ قد يسأل السائل :
هل يكتب صاحب تسويل النفس علوما عزيزة وفهوم راقية ؟
فالجواب :
نعم وهو كذلك بل يأتي بالعجب العجاب مثل الفلاسفة القدامى كأفلاطون وسقراط وأرسطو وجالينوس ومن نحا منحاهم وخاصّة كتاباتهم في علوم الإجتماع وغيرها .
ولكن يجب أن تعلم أنّ الشيطان قد يصدق وهو كذوب لأنّه يعلم بصدقه كما أنّه يصدق على غير نيّة الصدق بل نيّة خدمة النفس ولو نتكلّم على مراتب الصدق وأحواله ومقاماته لعلمت ما لم تعلم وفهمت ما لم تفهم ولكن من لا تنفعه الإشارة فحتما أنّه لا يفهم عبارة رغم أنّ بعضا من ساداتنا العلماء رضي الله عنهم كسيدي حجّة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى وغيره ذهبوا إلى أنّ علوم أهل الفلسفة ميراث مبعثر وملفّق من علوم سيّدنا إدريس عليه السلام ومن كان في دائرة تلك العلوم من ساداتنا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل البعثة النبوية , نعم فالنفس متى اعتزلت الماديات ورنت إلى العالم الظلماني من غير قصد إلى الله تعالى في أصل النيّة بإمكانها أن تصل إلى فهم تلك العلوم ولكن تتصرّف فيها بنفسها وليس بالله تعالى فكلّ ما دخل من العلوم إلى دائرة النفس فإنّه يخرج في حلية علم السحر بمراتبه.
يتبع ...
والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه.
النفس هي تلك الأفعى العظيمة السامّة أو قل هي ذاك الثعبان الكبير الذي بين جنبيْ الإنسان وقد لا يحسّ به أو يشعر ولا خبر له عنه , فالنفس أخطر شيء يهابه السالكون لطريق الله تعالى ويخشى منه العارفون الواصلون ويحذره كمّل العارفين بالله تعالى لأنّهم لا ثقة لهم أبدا بما عليه نفوسهم في حقيقتها وما عليه من دسائس خفيّة قلّ من يهتدي إلى فكّها وحلّها .
لأنّ أعظم سلاح تستعمله النفس هو سلاح الخفاء لذا كان جهادها أصعب كثيرا من جهاد الكفّار وإنّ من أصعب الخواطر اكتشافا هي خواطر النفس لأنّ النفس تتلوّن بحسب المقامات وترتقي مع السالك إلى حيث سار وحطّ به الترحال فموتها في الحقيقة هو عبارة عن تلوّنها في صفات عدّة كما أشار إلى ذلك سيدي محمد المداني رضي الله عنه فتبدّل جلدها بجلد آخر أرقى وأعلى وهكذا فإذا لم تبلغ النفس مقام النفس الكاملة وهو مقام الكمال الذي يتكلّم عنه الأولياء فلا سلامة معها أصلا.
لذا نقول : عارف بالله , ونقول : عارف بالله كامل , وقد يسأل السائل : هل العارف معرّض للسقوط و الرجوع ؟
فالجواب:
نعم متى ما لم يبلغ صفة أهل الكمال , ثمّ إنّ الكثير من الناس يفهم صفة الكمال على غير تفسيرها الحقيقي فيظنّها نهاية مجاهدة النفس أو أنّه بصفة أدقّ ( أمن مكر الله ) فيا ليت قومي يسمعون حينما سنتكلّم إن شاء الله تعالى في موضوع ( صفة المكر الإلهي ) كي تخرّ الأذقان ساجدة لله تعالى سجودها الأبدي من دون رفع فإنّه على قدر الرفع تكون النفس جاهزة للحرابة.
لقد كان إبليس عارفا به تعالى بلغ من التنوير قبل أن تلعب به نفسه فلعن وطرد ما لم يبلغه الكثير من السالكين اليوم , ثمّ إنّ السامري كان من العارفين بالله تعالى فاستزلّته نفسه في مقامات عالية وأحوال راقية التي سنبيّنها إن شاء الله تعالى خلال بقيّة هذا الموضوع حتّى أنّه لمّا سأله نبيّ زمانه سيّدنا موسى عليه السلام بقوله ( ما خطبك )عن فعله ذلك من حيث التلبيس في التحقيق صرّح علنا بقوله ( وكذلك سوّلت لي نفسي ) فما ذكر غير تسويل ( النفس ) فهو في هذا الجانب محقّ من حيث أنّه أخبر بالصدق الذي هو ( تسويل النفس ) وإنّ في قصّة السامري لعبر كبار ومزالق كثيرة شديدة الخطورة لأنّها في مقامات عالية راقية دقيقة.
فالعبد الفقير لن أتناول ذكر النفس من حيث اصطلاحات القوم أو مراتبها من حيث أنّها تكون أمّارة ثمّ لوّامة ثمّ مطمئنة إلى بقية درجات تلوّناتها ولن أذكر اصطلاح القوم من حيث أنّها تكون نفسا ثمّ قلبا ثمّ روحا ثمّ سرّا لأنّ هذه مراتب اصطلاحيّة سلوكية بين القوم تعارفوا عليها بدليل القرآن, ولكن حديثنا في أمر آخر.
فقلنا أنّ النفس لا تموت بل موتها عبارة عن تبدّل صفاتها من صفة إلى صفة أخرى أرقى منها وألطف وأدقّ وأكمل ولكن بالنهاية تبقى تلك النفس نفسا يترصّدها إسمه تعالى ( العدل ) لأنّ الله تعالى بصير خبير سميع قال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) فانظر حباك الله بفضله كيف جمع الله تعالى لك وقرن أمرين هما : وسوسة النفس وأنّه أقرب إليك من حبل الوريد كي تعلم ماهية النفس في إشارة لا مثيل لها كي تلزم حدود عبوديتك في جميع المقامات والأحوال فإنّ هذا هو كمال الحفظ فكلّما خرجت من ذلك الإستشعار وأنّه أقرب إليك من حبل الوريد كلّما علم ما توسوس به نفسك فمكر الله بك من حيث لا تدري وهذا حال إبليس والسامري ومن سار على مثل سيرهم من السالكين.
نعم قد يكون الشيطان شيخا لبعض المريدين وبعض السالكين كما قال العارفون ( من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان ) لأنّ الشيطان خبير بما عليه طريق السلوك ويفهمه غاية الفهم و لكن عن طريق تجسّسه على النفس كي يعرف ماذا يلقي وما ليس من الممكن إلقاءه فهو خبير بذلك شديد المكر فذهب العارفون إلى مجاهدة تلك النفس في جميع المقامات وبلا هوادة بل بسياسة وحنكة فرضي الله عنهم أجمعين.
وإنّ أوّل من نبّهنا إلى خطورة تلك النفس بعد الله تعالى هو سيّدنا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام فكان يستفتح خطبه بقوله ( نعوذ بالله من شرور أنفسها ) وهو على ما هو عليه من المقامات والكمال والعصمة صلى الله عليه وسلّم فما قال ذلك إلاّ لأنّه سيّد العارفين بالله تعالى ومعلّمهم صلى الله عليه وسلّم فبدأ بذكر شرّ النفس وهو في مقام النبوّة المصون رغم أنّه معصوم منها ومن شرّها صلى الله عليه وسلّم.
ثمّ هذا السامري الذي قال ( وكذلك سوّلت لي نفسي ) فإنّ النفس تسوّل لصاحبها كلّ شيء من الأفعال والأحوال والمقامات إلى درجة أنّها تسوّل لصاحبها أنّه إله كما سيقع عند خروج الدجال لعنه الله تعالى , فإنّه في بداية أمره تسوّل له نفسه أنّه وليّ صالح فيرتضي الناس منه ذلك إلاّ أهل المعرفة الكاملة فإنّهم لا يرتضون منه ذلك , ثمّ تسوّل له بعد ذلك أنّه نبيّ فيرتضي الناس منه ذلك فيتّبعونه , ثمّ تسوّل له في النهاية أنّه إله حتّى أنّه يأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت.
لأنّه وصل إلى حقائق معكوسة في طريق السلوك في عهد موسى عليه السلام فذهبت به النفس مذهبا بعيدا من حيث فهم التصريف وفهم تجسّد الإله في المذهب المادي بعلوم دقيقة ولكنّها ظلمانية يعقلها العارفون ثمّ إنّ ذلك التسويل من النفس قد لا يعلم به صاحبه وهو الغالب لأنّ مدارك تلبيسات النفس خفيّة فكلّما خفي المقام كلّما خفيت تلبيساتها ولا ينجى منها إلاّ قليل ( وقليل من عبادي الشكور ) هذا السامري سوّلت له نفسه عمل العجل فأشار إليه بأنّه إله فقد قصد مقامات دقيقة ملتبسة بعدما ٍرأى أثر جبريل عليه السلام.
وقد ورد أنّ الدجّال أيضا سيرى جبريل وميكائيل على أبواب مكّة والمدينة وكذلك الملائكة بسيوفهم يمنعونه كي تعلم مستوى كشف الدجال وإنّ ما سيفعله الدجال هو حوصلة طغيان النفس الإبليسية ودسائسها , فالسامري عارف زلّت به نفسه وكذلك إبليس لعنهما الله تعالى وكذلك من سار في السلوك على دربهما وهذا واقع لا محاولة في أمّة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم وله شواهد من أحاديث نبويةّ عديدة.
فإذا علمت حقيقة تلبيس النفس وخطرها العظيم كما ترى من حكاية إبليس والسامري لعنهما الله تعالى تفهم أمرا آخرا وهو أنّ النفس تدافع على مكانتها الوجودية لذا سأل إبليس في قوله ( فانظرني ) ثمّ أنظر الله تعالى كذلك السامري لأنّ النفس متى وصلت إلى ما وصلوا إليه من الفهم والسلوك طلبت حقّها الدنيوي بما أنّها رضيت بالحياة الدنيا وعليها تعمل فباعت الآخرة واستغنت عن حكم الصفات بطلبها حكم الأسماء حسدا لآدم عليه السلام لأنّها فهمت أنّ مستوى الخلافة هو مقام خصوصي رغم أنّه مقام عبودية صرفة ليس فيه للنفس ذرّة من حظّ .
قد يسأل سائل :
هل يعلم من سوّلت له نفسه بتسويلها ؟
فالجواب :
قد يعلم متى أراد الله به خيرا ليتوب فيتّهمها وهو النادر وقد لا يعلم وهو الغالب لأنّه في تلك الحالة من التلبيس يصبح نفسا خالصة ولكن في درجة عليا لطيفة رقيقة دقيقة مثلما تقول في الشاهد : هو غائب فاني في نفسه عوضا عن الفناء في الله تعالى فتتجسّد له نفسه على أنّها إله فيشاهد ما لا طاقة له به من تسويل النفس.
وقد حذٍر الإمام القشيري رضي الله عنه في رسالته في نصيحة المريدين من هذا الأمر لأنّ علامة الفاني في نفسه تجده لا يذكرها إلاّ بخير ولا يمدح أحدا قبلها ولا يثني عليها إلاّ بما هو خير لذا أوصانا عليه الصلاة والسلام بأن نحثو التراب في وجوه المدّاحين لأنّهم يعينوننا على إحياء النفس وبعثها من مرقدها إلاّ الشكر فهو واجب وكذلك ذكر الصفات الحسنة التي أكرم الله تعالى بها الإنسان فإنّه من شكر النعم.
مرّة كتبت إلى شيخنا برسالة أصفه بأنّه شيخ الإسلام فأجابني في رسالة ( أنا لست بشيخ للإسلام ولا من فرسان هذا الميدان بل أنا عبد مسلم أعصي وأتوب وأخطئ وأصيب وأني أرفع همّتك عن الإشتغال بمثل هذا و ما عليك إلاّ بذكر الإسم المفرد ....) أو ما في معنى هذا الكلام وقد كتبته سابقا بنصّه , فكنت أتعلّم منه فالحمد لله فما خانني شيخي قطّ في طريق الله وما غشّني قطّ وما مدحني قطّ في وجهي بل لا يفعل إلاّ ما يوحي بالغضب وتجهيلي فوالله لو نعطي ملئ الأرض ذهبا لمشائخنا ما رددنا لهم ذرّة من الجميل فجازاهم الله عنّا وعن المسلمين خيرا.
ثمّ إنّ العبد متى سوّلت له نفسه بأمور عظام وخطوبا جسام كما نراه اليوم من مدّعي الولاية وهو لا يزال في طور النفس الأمّارة بالسوء فضلا عن دعوى المهدية فمثلما تقول هم في غيبوبة أنفسهم وهم تحت هذا مقهورين قهرا نفسيا لدخولهم الطريق بعلل ولم يأخذوا تربيتهم على أيدي أهل التربية إلى حين بلوغ الكمال بل قضت عليهم كتب أهل الحقيقة فأهلكتهم لأنّه لا سلوك لهم.
ثمّ قد يسأل السائل :
هل يكتب صاحب تسويل النفس علوما عزيزة وفهوم راقية ؟
فالجواب :
نعم وهو كذلك بل يأتي بالعجب العجاب مثل الفلاسفة القدامى كأفلاطون وسقراط وأرسطو وجالينوس ومن نحا منحاهم وخاصّة كتاباتهم في علوم الإجتماع وغيرها .
ولكن يجب أن تعلم أنّ الشيطان قد يصدق وهو كذوب لأنّه يعلم بصدقه كما أنّه يصدق على غير نيّة الصدق بل نيّة خدمة النفس ولو نتكلّم على مراتب الصدق وأحواله ومقاماته لعلمت ما لم تعلم وفهمت ما لم تفهم ولكن من لا تنفعه الإشارة فحتما أنّه لا يفهم عبارة رغم أنّ بعضا من ساداتنا العلماء رضي الله عنهم كسيدي حجّة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى وغيره ذهبوا إلى أنّ علوم أهل الفلسفة ميراث مبعثر وملفّق من علوم سيّدنا إدريس عليه السلام ومن كان في دائرة تلك العلوم من ساداتنا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل البعثة النبوية , نعم فالنفس متى اعتزلت الماديات ورنت إلى العالم الظلماني من غير قصد إلى الله تعالى في أصل النيّة بإمكانها أن تصل إلى فهم تلك العلوم ولكن تتصرّف فيها بنفسها وليس بالله تعالى فكلّ ما دخل من العلوم إلى دائرة النفس فإنّه يخرج في حلية علم السحر بمراتبه.
يتبع ...





0 التعليقات:
إرسال تعليق