بسم الله الرحمان الرحيم -
السؤال العشرون :
قلتم سيدي فيما سبق ( والرؤى الشيطانية من عالم الخيال أيضا وفيها دواهي وفواجع ).
والسؤال هو :
ما هو عالم الخيال هل هو مخلوق وهل له من يقطنه من حيث اسمه عالم ؟
الجواب والله أعلم :
طبعا لا يمكننا أن نقول بأنّ الرؤيا الشيطانية من عالم الحقيقة أي عالم الأنوار وإنّما هي من حضرة الشيطان , وحضرته كلّها خيال في خيال من حيث التحقيق لا من حيث كيد الشيطان الذي كان ضعيفا حالا وماضيا ومستقبلا.
والرؤيا سيدي قد تكون صالحة , ومعنى الرؤيا الصالحة أي كلّ رؤيا فيها نسائم الحضرة الإلهية بمعنى تزيدك حبّا أو تشويقا أو إسراعا أو تقوى أو عزيمة أو طاعة أو أيّة منقبة وحالة تقرّبك من الله تعالى , فما لم تدلّك رؤياك على الله تعالى فليست برؤيا صالحة , لأنّ الرؤيا الصالحة من الله ومحال أنها منه ولا تكون إليه .فافهم.
والرؤيا هي وحي المؤمن أي الباب الذي بقي منه الوحي الذي هو من أجزاء النبوّة وهي تدلّ على حدوث غيب من الغيوب التي لها تعلّق بها أو بغيرك مما رأيتها له بمعنى أنّها إمّا أن تدلّك على حالة واقعة فيك أو في غيرك كمن يكشف له في منامه عن حالة إنسان سواء بالإيجاب أو السلب أو بما يقع له في الإستقبال وهذه وغيرها لا تكون إلا متى كانت الرؤيا صالحة وكان تعبيرها حقيقيّا من عالم متمكّن من التعبير.
ولمّا كانت الرؤيا المنامية وحي المؤمن كان لا بدّ لهذا الوحي من معاند يريد إفساده الذي هو الشيطان الذي يسترق السمع في السماء وكذلك في سماء القلب ليخلط الحقّ بالباطل والباطل بالحقّ لأنّ المقام الذي يشتغل فيه هو مقام التزيين بمعنى تزيين الباطل في صورة الحقّ وتزيين الحقّ في صورة الباطل كي يرى الإنسان الحقائق معكوسة ( فيبغونها عوجا ).
بالنسبة للمؤمن القويّ أي قويّ الإيمان وذلك بأن تكون أنوار قلبه رجوما للشياطين لأنّ قلبه محروسا بجند الأنوار فلا يقع فيه إلا واردات الرحمان فهذا لا سلطان للشيطان عليه في رؤياه ولا يستطيع أن يخلط فيها أو يزيّنها له أو يكذب عليه فيها بل لا سبيل له لذلك البتّة ( إلا عبادك منهم المخلصين ).
لأنّ الشيطان توعّد بالغواية وأقسم في ذلك بالعزّة الإلهية وهذه الغواية من الشيطان لنا تكون في حالتي النوم واليقظة لذا أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالوضوء للنوم لأنه سلاح المؤمن يقاتل به أعداءه وأوصانا بذكر أوراد النوم وماذا نفعل متى لعب بنا الشيطان فلا نقصّ رؤيانا التي فيها تحزين من الشيطان وكذلك نتفل على شمالنا ثلاث مرّات متى رأينا رؤيا تفزعنا وكذلك بأن لا نقصّ رؤيانا إلا على عالم ناصح لبيب فطن كما ورد في الأحاديث لأنّ الرؤيا على رجل أو جناح طائر فكيفما أوّلها المؤوّل وقعت فأمرنا بالتريّث في ذلك والتمهّل.
لأنّ سطوة الشيطان وغوايته في عالم النوم أيضا كبيرة بل هي من أدقّ تلبيساته وأخفاها على الإنسان لذا فقد دخل على الناس من هذا الباب فأفسد على كثير من الناس إيمانهم وتقواهم.
وكان لي أخا في الله تعالى إسمه ( منير ) كان يأتيه الشيطان برؤى في منامه ومن ثمّ يراها هذا الأخ في اليقظة حرفا بحرف وذلك لأنه يريد التلبيس عليه , وتفسير ذلك سهل وهو أنّ الشيطان يخيّل إليك أمر في منامك ثمّ يعمل الشيطان وأعوانه في يقظتك على أن يجعلوا ذلك الأمر مشهودا عندك , فمثلا يريك في منامك بأنك قابلت أحدا من الناس منذ فترة لم تراه , ثمّ في الصباح يذهب الشيطان لذلك الشخص فيوسوس له بخاطر المجيء والقدوم فيقدم فتقابله حتى أنك ربّما تقول له أو في نفسك : سبحان الله البارحة رأيته في منامي أنّي أراه ...وهكذا.
وهذه ليست قاعدة كليّة وإنّما هي قاعدة عند الناس الذين مازالوا في مرتبة النفس الأمّارة بالسوء أي مازالوا في مرتبة الخواطر الشيطانية والنفسية لذا وجب عليهم أن لا يجزموا في رؤياهم لأنّها لربّما تكون من النفس أضغاث أحلام أو من الشيطان وهو الحلم والتلبيس.
أمّا أهل الله تعالى فليس للشيطان ولا للنفس عليهم من سبيل لأنّهم محفوظون منه ( إلا عبادك منهم المخلصين ).
ثمّ إنّ الرؤيا لها تعلّق كبير بالواردات : فمن كان من المريدين كما قال الشيوخ ساداتنا من أهل المعرفة رضي الله عنهم مازال في دائرة الخواطر النفسية والشيطانية فليس لرؤياه قيمة كبيرة وقد تكون ذات قيمة كبيرة ولكن هذا قليل إلا ما كان من السنّة كصلاة الإستخارة من حيث الإنشراح أو رؤيا صالحة تشير إلى ما إستخار فيه تلميحا أو تصريحا , وإنما كلامنا في الرؤيا من حيث أنها رؤيا من غير تكلّف ولا قصد لها مسبّق.
فالرؤيا التي يعتنى بها هي رؤيا العارف بالله تعالى كالأنبياء والرسل وأهل الولاية الكبرى والفتح الكبير ثمّ يليهم من الناس أهل الولاية الصغرى ثمّ في المرتبة الثالثة أهل الإيمان من حيث مستويات إيمانهم.
وحقيقة الرؤيا الصالحة لا يراها إلا المؤمن ( أي المؤمن الكامل ) فمن كمل إيمانه أشرق إحسانه قال أحد الصحابة ( لقد أصبحت اليوم مؤمنا حقّا يا رسول الله ...).
ثمّ إن الكشف الذي عند الأولياء فهو إمّا أن يكون كشفا مناميا وهذه المبشّرة المنامية وإمّا أن يكون كشفا حقيقيّا في عالم يقظتهم أو بين النوم واليقظة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ( إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي ) أي في اليقظة عند الصلاة و بصر الروح هذا لأنّه مثل الذرّة لا تنقسم أفرادها وليست لها أجزاء متى وصلنا إلى نواتها الأصلية التي لا تنقسم فالروح تسمع بكلّ ذاتها وترى وتشاهد بكلّ ذاتها وهكذا لأنّها جوهر لا ينقسم ولها ما يقابلها في العالم المادي ( وهي الذرّة ).
لذا فالروح تأخذ حيزها من حيث الوسع والإنتشار بحسب حجم الروح وكبرها ومن هنا تعرف مقامات الأولياء في الإدراك والعلوم ومن هنا نعرف أسرار نوال المقامات والخصوصيات كالقطبانية والفردانية وغيرها لأن هذا من أمر الروح التي هي من أمر الله .فافهم .
وإنّما قلنا بأنّ للشيطان فواجع في عوالم الخيال , إنّما نقصد بعالم الخيال هو هذا العالم الباطل أي الذي لا يرى العبد وجود موجده قبله أو معه أو بعده بحيث أنّه في نظره لا يعدو كونه عالما مترامي الأطراف حسّا ومعنى فيحجب بالكون عن المكوّن فهذا الحجاب في مراتبه الثلاث:
وهي مرتبة حجاب العقل وحجاب القلب وحجاب الروح , فكلّ ما أدركه البشر متى كان بهذه الصفة من العوالم إنما هو من عالم الخيال الذي لا وجود له لأنّ البقاء إنّما يكون بالجمال الإلهي ولا يكون البقاء بالجلال الإلهي أبدا , وإبليس قام في الجلال فأراد أن يقوم بأحكامه من حيث القدرة وهكذا فافهم فعالمه حتما أنّه عالم خيالي وإعتقاده وهم في وهم لذا كان كيده ضعيفا لأنّ هذا العالم ليس بعالم الخصوصيات فلا يحسن إبليس ولا غيره أن يمدّ الناس بخصوصيات فيه لا عن طريق المنام ولا عن طريق غيره .فافهم
قال تعالى ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا ).
وقوله إلا ( غرورا ) متعلّق بحقيقة النفس متى إعتقدت وجودها مع وجود الله ).
في هذا العالم الخيالي الذي لا يدلّ على الله تعالى بحال لقوله ( لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ) حجب الناس من كلّ ما يدلّ عليه ظاهرا وباطنا لأن غايته أن لا يتوجّه الناس إليه , وكذلك لعلمه بالحضرات يعرف بأنّ هناك حضرات باطل في صورة حقّ لا تدلّ عليه لأنّه ليست الطريق إليه :
كالخوارج وغيرهم , فهو عليم بطريق القوم لذا قال ( لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ) فهو عارف بمحلّ وجود هذا الصراط لذا كان غاوي لعنه الله في جميع الشرائع والمناهج والطرق فما سلم منه دين ولا رسول ولا ولي ولا طريق ولا مذهب , لأنّها كلّها طرق تدلّ على الله تعالى وغايته سدّ اي طريق في وجه العباد يدلّ على الله تعالى لعلمه بأنّ كلّ من توجّه إليه أعطاه الله تعالى بصيرة النور فيكشفه بها كالنبي صلى الله عليه وسلّم لمّا خطّ خطوطا في الأرض يرسم فيه طريق الله وطرق الشيطان.
ولتعلم قدر وكمية حقد الشيطان علينا يجب أن تعرف بأن الشيطان ينظر إلى آدم وهو أبونا بأنه كان السبب في إستحقاقه غضب الله وأنه السبب في غواية الله له وأنّه السبب في خروجه من ذلك النعيم الأبدي الذي لا يطاق حسنه وفضله وكرمه فكان حقده علينا لا يوصف قدرا ونزل إلى الأرض عدوّا خالصا لنا وقد أوضح بأن عداوته لنا لن ينجى منها إلا ( المخلصين ) إسم مفعول بفتح اللام أي أهل الفناء والبقاء الذين ماتت نفوسهم فكان الله بصرهم وسمعهم ويدهم ورجلهم لأنّ إبليس ليس له قدرة على غواية الإنسان وهو في الحضرة لذا إنتظر سكنى آدم في الجنّة ومن ثمّ إستعجل المعركة فغوى آدم بسبب أكله من الشجرة لأن إبليس كان يعلم بأن النزول إلى الأرض لن يتحقّق إلا بالأكل من الشجرة فإستعجل المعركة من كثرة حقده علينا.
وهناك حقيقة لا بدّ من ذكرها :
وهي أنّ أدم كان قرينه إبليس ولكلّ إنسان قرين لذا كان معه في الجنّة قبل نزول آدم رغم أن إبليس لعنه الله وطرده ورغم هذا سكن الجنّة مع آدم لأنّه قرينه وهكذا لكلّ إنسان قرين.
بمعنى أن كلّ مولود من بني آدم لا بدّ أن يولد لإبليس مولودا شيطانا ليكون قرينا لذلك الإنسان , فيستمدّ ذلك الشيطان مددا من حقيقة إبليس التي مسخه الله عليها , كما أن كلّ مولود من البشر يستمدّ من حقيقة أبيه آدم فحقائق آدم سارية فينا من حيث سماعنا لقوله تعالى ونحن في صلب آدم ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ) وكذلك حقائق إبليس سارية في ذريته وذلك عند سماعهم وهم في صلب إبليس ( إن عليك لعنتي إلى يوم الدين ) فكانت المعركة بينهما شرسة وكبيرة فهذا يريد أن يغوي هذا وهذا يريد أو يصلح هذا لذا قال ( بعضكم لبعض عدوّ ) فكانت عداوتنا له أننا نأمر بالخير وننهى عن الفحشاء والمنكر فهذا وجه عداوتنا له أما إبليس فوجه عدواته أنه يأمر بالفحشاء والمنكر ....
وبالخلاصة : أن للشيطان عداوة لبني آدم في منامهم ويقظتهم لذا أخبر عليه الصلاة والسلام بالرؤيا من الشيطان ليبيّن بأن الرؤيا ليست فقط وقفا على أنّها من الرحمان أو الملائكة كي نفرّق بين الباطل والحقّ في كلّ شيء لذا كان هناك علماء بتأويل الرؤيا وهكذا هناك علماء في كلّ علم رباني كي يميّزوا فيدلوا الناس على ما هو حقّ وما هو باطل.
فعلماء الشريعة لهم دورهم وعلماء الطريقة لهم دورهم وعلماء الحقيقة لهم دورهم وهكذا فعلماء تأويل الرؤيا لهم دورهم وهكذا في كلّ فنّ وعلم ديني وهكذا فإن العلوم لا تستقيم إلا متى كانت صحيحة لأنه نور من الله تعالى.
وعالم الخيال : هو الوجود ما لم تشاهد فيه مولاك قبله أو معه أو بعده.
فقوله ( لأغوينّهم أجمعين ) أي مجموعين من حيث أنّهم من آدم وأنهم بشر.
ومجموعين : أي لا يهمّني كثرتهم ولا عدّتهم ولا عتادهم.
ومجموعين : أي في حقائق كلّ واحد منهم الظاهرة أو الباطنة.
ومجموعين : لأنّهم أهل جمال فإنهم لايعرفون أحكام الجلال والمكر والفتنة لبياض قلوبهم وسلامة صدورهم فيسهل إغواءهم كما حدث لآدم لذا حاجج موسى آدم.
ومجموعين : لأنهم أهل جمع فأفرّقهم لتذهب ريحهم.
ومجموعين : وذلك لحصول كلّ واحد منهم على قدر من غوايتي.
....وهكذا من هذه الحقائق فإن القرآن كلّه أسرار وحقائق فإن كلّ شرّ في الكون هو من الشيطان فلا بدّ أن ننسبه إليه ( أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) هكذا قال أيوب.
أنظر فهم الأنبياء وعلومهم وأدبهم وترتيبهم للحقائق وليس بعد هذا الكلام من كلام.
السؤال العشرون :
قلتم سيدي فيما سبق ( والرؤى الشيطانية من عالم الخيال أيضا وفيها دواهي وفواجع ).
والسؤال هو :
ما هو عالم الخيال هل هو مخلوق وهل له من يقطنه من حيث اسمه عالم ؟
الجواب والله أعلم :
طبعا لا يمكننا أن نقول بأنّ الرؤيا الشيطانية من عالم الحقيقة أي عالم الأنوار وإنّما هي من حضرة الشيطان , وحضرته كلّها خيال في خيال من حيث التحقيق لا من حيث كيد الشيطان الذي كان ضعيفا حالا وماضيا ومستقبلا.
والرؤيا سيدي قد تكون صالحة , ومعنى الرؤيا الصالحة أي كلّ رؤيا فيها نسائم الحضرة الإلهية بمعنى تزيدك حبّا أو تشويقا أو إسراعا أو تقوى أو عزيمة أو طاعة أو أيّة منقبة وحالة تقرّبك من الله تعالى , فما لم تدلّك رؤياك على الله تعالى فليست برؤيا صالحة , لأنّ الرؤيا الصالحة من الله ومحال أنها منه ولا تكون إليه .فافهم.
والرؤيا هي وحي المؤمن أي الباب الذي بقي منه الوحي الذي هو من أجزاء النبوّة وهي تدلّ على حدوث غيب من الغيوب التي لها تعلّق بها أو بغيرك مما رأيتها له بمعنى أنّها إمّا أن تدلّك على حالة واقعة فيك أو في غيرك كمن يكشف له في منامه عن حالة إنسان سواء بالإيجاب أو السلب أو بما يقع له في الإستقبال وهذه وغيرها لا تكون إلا متى كانت الرؤيا صالحة وكان تعبيرها حقيقيّا من عالم متمكّن من التعبير.
ولمّا كانت الرؤيا المنامية وحي المؤمن كان لا بدّ لهذا الوحي من معاند يريد إفساده الذي هو الشيطان الذي يسترق السمع في السماء وكذلك في سماء القلب ليخلط الحقّ بالباطل والباطل بالحقّ لأنّ المقام الذي يشتغل فيه هو مقام التزيين بمعنى تزيين الباطل في صورة الحقّ وتزيين الحقّ في صورة الباطل كي يرى الإنسان الحقائق معكوسة ( فيبغونها عوجا ).
بالنسبة للمؤمن القويّ أي قويّ الإيمان وذلك بأن تكون أنوار قلبه رجوما للشياطين لأنّ قلبه محروسا بجند الأنوار فلا يقع فيه إلا واردات الرحمان فهذا لا سلطان للشيطان عليه في رؤياه ولا يستطيع أن يخلط فيها أو يزيّنها له أو يكذب عليه فيها بل لا سبيل له لذلك البتّة ( إلا عبادك منهم المخلصين ).
لأنّ الشيطان توعّد بالغواية وأقسم في ذلك بالعزّة الإلهية وهذه الغواية من الشيطان لنا تكون في حالتي النوم واليقظة لذا أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالوضوء للنوم لأنه سلاح المؤمن يقاتل به أعداءه وأوصانا بذكر أوراد النوم وماذا نفعل متى لعب بنا الشيطان فلا نقصّ رؤيانا التي فيها تحزين من الشيطان وكذلك نتفل على شمالنا ثلاث مرّات متى رأينا رؤيا تفزعنا وكذلك بأن لا نقصّ رؤيانا إلا على عالم ناصح لبيب فطن كما ورد في الأحاديث لأنّ الرؤيا على رجل أو جناح طائر فكيفما أوّلها المؤوّل وقعت فأمرنا بالتريّث في ذلك والتمهّل.
لأنّ سطوة الشيطان وغوايته في عالم النوم أيضا كبيرة بل هي من أدقّ تلبيساته وأخفاها على الإنسان لذا فقد دخل على الناس من هذا الباب فأفسد على كثير من الناس إيمانهم وتقواهم.
وكان لي أخا في الله تعالى إسمه ( منير ) كان يأتيه الشيطان برؤى في منامه ومن ثمّ يراها هذا الأخ في اليقظة حرفا بحرف وذلك لأنه يريد التلبيس عليه , وتفسير ذلك سهل وهو أنّ الشيطان يخيّل إليك أمر في منامك ثمّ يعمل الشيطان وأعوانه في يقظتك على أن يجعلوا ذلك الأمر مشهودا عندك , فمثلا يريك في منامك بأنك قابلت أحدا من الناس منذ فترة لم تراه , ثمّ في الصباح يذهب الشيطان لذلك الشخص فيوسوس له بخاطر المجيء والقدوم فيقدم فتقابله حتى أنك ربّما تقول له أو في نفسك : سبحان الله البارحة رأيته في منامي أنّي أراه ...وهكذا.
وهذه ليست قاعدة كليّة وإنّما هي قاعدة عند الناس الذين مازالوا في مرتبة النفس الأمّارة بالسوء أي مازالوا في مرتبة الخواطر الشيطانية والنفسية لذا وجب عليهم أن لا يجزموا في رؤياهم لأنّها لربّما تكون من النفس أضغاث أحلام أو من الشيطان وهو الحلم والتلبيس.
أمّا أهل الله تعالى فليس للشيطان ولا للنفس عليهم من سبيل لأنّهم محفوظون منه ( إلا عبادك منهم المخلصين ).
ثمّ إنّ الرؤيا لها تعلّق كبير بالواردات : فمن كان من المريدين كما قال الشيوخ ساداتنا من أهل المعرفة رضي الله عنهم مازال في دائرة الخواطر النفسية والشيطانية فليس لرؤياه قيمة كبيرة وقد تكون ذات قيمة كبيرة ولكن هذا قليل إلا ما كان من السنّة كصلاة الإستخارة من حيث الإنشراح أو رؤيا صالحة تشير إلى ما إستخار فيه تلميحا أو تصريحا , وإنما كلامنا في الرؤيا من حيث أنها رؤيا من غير تكلّف ولا قصد لها مسبّق.
فالرؤيا التي يعتنى بها هي رؤيا العارف بالله تعالى كالأنبياء والرسل وأهل الولاية الكبرى والفتح الكبير ثمّ يليهم من الناس أهل الولاية الصغرى ثمّ في المرتبة الثالثة أهل الإيمان من حيث مستويات إيمانهم.
وحقيقة الرؤيا الصالحة لا يراها إلا المؤمن ( أي المؤمن الكامل ) فمن كمل إيمانه أشرق إحسانه قال أحد الصحابة ( لقد أصبحت اليوم مؤمنا حقّا يا رسول الله ...).
ثمّ إن الكشف الذي عند الأولياء فهو إمّا أن يكون كشفا مناميا وهذه المبشّرة المنامية وإمّا أن يكون كشفا حقيقيّا في عالم يقظتهم أو بين النوم واليقظة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ( إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي ) أي في اليقظة عند الصلاة و بصر الروح هذا لأنّه مثل الذرّة لا تنقسم أفرادها وليست لها أجزاء متى وصلنا إلى نواتها الأصلية التي لا تنقسم فالروح تسمع بكلّ ذاتها وترى وتشاهد بكلّ ذاتها وهكذا لأنّها جوهر لا ينقسم ولها ما يقابلها في العالم المادي ( وهي الذرّة ).
لذا فالروح تأخذ حيزها من حيث الوسع والإنتشار بحسب حجم الروح وكبرها ومن هنا تعرف مقامات الأولياء في الإدراك والعلوم ومن هنا نعرف أسرار نوال المقامات والخصوصيات كالقطبانية والفردانية وغيرها لأن هذا من أمر الروح التي هي من أمر الله .فافهم .
وإنّما قلنا بأنّ للشيطان فواجع في عوالم الخيال , إنّما نقصد بعالم الخيال هو هذا العالم الباطل أي الذي لا يرى العبد وجود موجده قبله أو معه أو بعده بحيث أنّه في نظره لا يعدو كونه عالما مترامي الأطراف حسّا ومعنى فيحجب بالكون عن المكوّن فهذا الحجاب في مراتبه الثلاث:
وهي مرتبة حجاب العقل وحجاب القلب وحجاب الروح , فكلّ ما أدركه البشر متى كان بهذه الصفة من العوالم إنما هو من عالم الخيال الذي لا وجود له لأنّ البقاء إنّما يكون بالجمال الإلهي ولا يكون البقاء بالجلال الإلهي أبدا , وإبليس قام في الجلال فأراد أن يقوم بأحكامه من حيث القدرة وهكذا فافهم فعالمه حتما أنّه عالم خيالي وإعتقاده وهم في وهم لذا كان كيده ضعيفا لأنّ هذا العالم ليس بعالم الخصوصيات فلا يحسن إبليس ولا غيره أن يمدّ الناس بخصوصيات فيه لا عن طريق المنام ولا عن طريق غيره .فافهم
قال تعالى ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا ).
وقوله إلا ( غرورا ) متعلّق بحقيقة النفس متى إعتقدت وجودها مع وجود الله ).
في هذا العالم الخيالي الذي لا يدلّ على الله تعالى بحال لقوله ( لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ) حجب الناس من كلّ ما يدلّ عليه ظاهرا وباطنا لأن غايته أن لا يتوجّه الناس إليه , وكذلك لعلمه بالحضرات يعرف بأنّ هناك حضرات باطل في صورة حقّ لا تدلّ عليه لأنّه ليست الطريق إليه :
كالخوارج وغيرهم , فهو عليم بطريق القوم لذا قال ( لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ) فهو عارف بمحلّ وجود هذا الصراط لذا كان غاوي لعنه الله في جميع الشرائع والمناهج والطرق فما سلم منه دين ولا رسول ولا ولي ولا طريق ولا مذهب , لأنّها كلّها طرق تدلّ على الله تعالى وغايته سدّ اي طريق في وجه العباد يدلّ على الله تعالى لعلمه بأنّ كلّ من توجّه إليه أعطاه الله تعالى بصيرة النور فيكشفه بها كالنبي صلى الله عليه وسلّم لمّا خطّ خطوطا في الأرض يرسم فيه طريق الله وطرق الشيطان.
ولتعلم قدر وكمية حقد الشيطان علينا يجب أن تعرف بأن الشيطان ينظر إلى آدم وهو أبونا بأنه كان السبب في إستحقاقه غضب الله وأنه السبب في غواية الله له وأنّه السبب في خروجه من ذلك النعيم الأبدي الذي لا يطاق حسنه وفضله وكرمه فكان حقده علينا لا يوصف قدرا ونزل إلى الأرض عدوّا خالصا لنا وقد أوضح بأن عداوته لنا لن ينجى منها إلا ( المخلصين ) إسم مفعول بفتح اللام أي أهل الفناء والبقاء الذين ماتت نفوسهم فكان الله بصرهم وسمعهم ويدهم ورجلهم لأنّ إبليس ليس له قدرة على غواية الإنسان وهو في الحضرة لذا إنتظر سكنى آدم في الجنّة ومن ثمّ إستعجل المعركة فغوى آدم بسبب أكله من الشجرة لأن إبليس كان يعلم بأن النزول إلى الأرض لن يتحقّق إلا بالأكل من الشجرة فإستعجل المعركة من كثرة حقده علينا.
وهناك حقيقة لا بدّ من ذكرها :
وهي أنّ أدم كان قرينه إبليس ولكلّ إنسان قرين لذا كان معه في الجنّة قبل نزول آدم رغم أن إبليس لعنه الله وطرده ورغم هذا سكن الجنّة مع آدم لأنّه قرينه وهكذا لكلّ إنسان قرين.
بمعنى أن كلّ مولود من بني آدم لا بدّ أن يولد لإبليس مولودا شيطانا ليكون قرينا لذلك الإنسان , فيستمدّ ذلك الشيطان مددا من حقيقة إبليس التي مسخه الله عليها , كما أن كلّ مولود من البشر يستمدّ من حقيقة أبيه آدم فحقائق آدم سارية فينا من حيث سماعنا لقوله تعالى ونحن في صلب آدم ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ) وكذلك حقائق إبليس سارية في ذريته وذلك عند سماعهم وهم في صلب إبليس ( إن عليك لعنتي إلى يوم الدين ) فكانت المعركة بينهما شرسة وكبيرة فهذا يريد أن يغوي هذا وهذا يريد أو يصلح هذا لذا قال ( بعضكم لبعض عدوّ ) فكانت عداوتنا له أننا نأمر بالخير وننهى عن الفحشاء والمنكر فهذا وجه عداوتنا له أما إبليس فوجه عدواته أنه يأمر بالفحشاء والمنكر ....
وبالخلاصة : أن للشيطان عداوة لبني آدم في منامهم ويقظتهم لذا أخبر عليه الصلاة والسلام بالرؤيا من الشيطان ليبيّن بأن الرؤيا ليست فقط وقفا على أنّها من الرحمان أو الملائكة كي نفرّق بين الباطل والحقّ في كلّ شيء لذا كان هناك علماء بتأويل الرؤيا وهكذا هناك علماء في كلّ علم رباني كي يميّزوا فيدلوا الناس على ما هو حقّ وما هو باطل.
فعلماء الشريعة لهم دورهم وعلماء الطريقة لهم دورهم وعلماء الحقيقة لهم دورهم وهكذا فعلماء تأويل الرؤيا لهم دورهم وهكذا في كلّ فنّ وعلم ديني وهكذا فإن العلوم لا تستقيم إلا متى كانت صحيحة لأنه نور من الله تعالى.
وعالم الخيال : هو الوجود ما لم تشاهد فيه مولاك قبله أو معه أو بعده.
فقوله ( لأغوينّهم أجمعين ) أي مجموعين من حيث أنّهم من آدم وأنهم بشر.
ومجموعين : أي لا يهمّني كثرتهم ولا عدّتهم ولا عتادهم.
ومجموعين : أي في حقائق كلّ واحد منهم الظاهرة أو الباطنة.
ومجموعين : لأنّهم أهل جمال فإنهم لايعرفون أحكام الجلال والمكر والفتنة لبياض قلوبهم وسلامة صدورهم فيسهل إغواءهم كما حدث لآدم لذا حاجج موسى آدم.
ومجموعين : لأنهم أهل جمع فأفرّقهم لتذهب ريحهم.
ومجموعين : وذلك لحصول كلّ واحد منهم على قدر من غوايتي.
....وهكذا من هذه الحقائق فإن القرآن كلّه أسرار وحقائق فإن كلّ شرّ في الكون هو من الشيطان فلا بدّ أن ننسبه إليه ( أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ) هكذا قال أيوب.
أنظر فهم الأنبياء وعلومهم وأدبهم وترتيبهم للحقائق وليس بعد هذا الكلام من كلام.





0 التعليقات:
إرسال تعليق