إشترك معنا ليصلك جديد الموقع

بريدك الإلكترونى فى أمان معنا

الخميس، 14 نوفمبر 2013

أسئلة مخصوصة لسيدي علي الصوفي 28

بسم الله الرحمن الرحيم-

بارك الله بسيدي وأخي العزيز ونكمل المشوار ان شاء لله على أمل أن يكرمنا الله بمزيد من وقتكم ومحبتكم.

السؤال الواحد والعشرين:

جاء فيما نقله أحد الأخوة الأفاضل في منتدانا الكريم هذا , وهو الأخ الفاضل ( الشريف الغربي ) عن المكتبة السكيرجية:

عن سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه قال : ( وفيض الأنوار أكبر ما يأتي به الذكر، فإنه لا يزال العبد يتعاهد أوقات ذِكره، ثم يستريح والأنوار تُقْدَحُ في قلبه وقت الذكر، ثم تنتقل لعدم استقرارها فيه، لكن وُرودها عليه، يعمل في روحه شيئا من الصفاء، فإنها كانت أولا تُقْدَحُ، ثم تَنتقل إلى حالة أخرى، تمكث في القلب قدر الدقيقتين أو الثلاثة، ثم تنتقل إلى حالة أخرى، ثم تمكث في القلب قدر ساعة.

ثم تنتقل فلا يزال حالةً بعد حالةٍ حتى تستقر الأنوار في قلبه، فتُكسبه حالة لم يعهدها من نفسه، من القوة على الذكر، والحنين إلى الوقوف بباب الله، وتَوَجُّعِ القلب من مخالطة الخلْق، وما يشاهده من تخليطاتهم، ثم لا يزال العبد باستمراره مع الذكر، إلى أن تخرج به الأنوار، إلى استغراق أوقاته في الذكر آناء الليل وأطراف النهار، فيجِد في روحه اكتسابا لم يعهده من الرضى بقضاء الله تعالى، والصبر للبلايا، وعدم الانزعاج منها، والتوكل على الله تعالى في نفقاته وأمورها، والبُعد عن التكالُب عن الدنيا واكتسابها
والسؤال هو :

نتمنى سيدي أن تكرمونا لشرح أكثر لتلك المراحل التي يمر بها القلب في جلاء مرآته ؟

السؤال الثاني والعشرين:

سيدي وأخي الغالي ( قيل : لا بد للمريد من استشارة شيخه في ذكره لأسماء الله الحسنى حتى يعطيه من الأذكار قدر ما يتحمله ويطيقه قلبه من الأنوار لأنه ربما ازدادت الأنوار على قلبه فاحترق , فمعدة الطفل الصغير لا تسع غذاء الرجل الكبير ).

والسؤال هو : نتمنى سيدي أن تكرمونا في شرح أكثر في ذلك ؟

السؤال الثالث والعشرين:

ذكرتم سيدي فيما سبق ( فقد عاقبت الشريعة وليّ الله تعالى , الحلاّج رضي الله عنه وعاقبت السهروردي رضي الله عنه حفاظا على الحقائق المحمّدية فإنّه ليس هناك هدي بعد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم فكلّ من تمسّك بهديه كان محفوظا مأمونا إن شاء الله تعالى ) والسؤال هو :

كيف عاقبت الشريعة وليّ الله الحلاج والسهروردي رضي الله عنهما ولماذا ؟


السؤال الرابع والعشرين :

قلتم سيدي فيما سبق ( ثمّ إنّ المبشّرات نوعان : مبشّرة في عالم الأنوار , ومبشّرة في عالم الأسرار ) والسؤال هو :

لو تكرمتم بتوضيح أكثر للفرق بين المبشرات في كل من عالم الانوار وعالم الاسرار ؟



الجواب على السؤال الواحد والعشرين والله تعالى أعلم ورسوله :

خلاصة القول في الجواب على هذا السؤال سيدي :

 أن أهل الله تعالى أصحاب هذا الفنّ من المعلوم إستنبطوا جميع أحكام طريقهم وشرعه من الكتاب والسنّة فهم لا يخرجون عنهما قيد أنملة وهذا واضح فإنّه لا سلوك بغير منهاج الكتاب والسنّة أمّا من قال بغيرهما كقول فلاسفة صوفية هذا الزمان من الذين إتّبعوا الفلاسفة المشّائين وإنبهروا جدّا بالفلاسفة الإشراقيين حتى قالوا بالسلوك بالمنطق و..إلخ فما تركوا من الجهل شيئا.

وكم رأينا منهم في فرنسا ورأينا أحوالهم حتى أنّهم جعلوا معهدا بإسم الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله عنه يرتاده اليهود والنصارى وبعض المسلمين من الذين ظنّوا بأنّهم وصلوا بفلسفتهم حدّا من العلم لا يتصوّر وجوده عند غيرهم فكثر كبرهم وعنادهم وجهلهم وإستحقارهم لعوام الناس وإنّك لتعرفهم في لحن القول , وقد جالست أحدهم مرّة فرأيت على محيّاه ظلمة قاتمة مثل سواد الليل البهيم ورغم هذا يدّعي بأنّه وصل إلى عين الحقيقة.

 وهؤلاء الصنف من العباد ضلّوا ضلالا بعيدا فلا عبرة بأقوالهم فإنّ في الكتاب والسنّة غنية عن كلّ علم قرّروه ويكفيك بأن سيّد الخلق وأعلمهم وأعرفهم على الإطلاق ماكان قطّ فيلسوفا ولا متكلّما بل ولا يقرأ ولا يكتب ورغم هذا نال من الله تعالى ما ليس عند أحد غيره من الخلق وهكذا أولياء أمّته على أثره والعلماء ورثة الأنبياء.

 وقد تقول في بعض أقوال أهل الله تعالى كالشيخ الأكبر في الفتوحات حيث ذكر جالينوس أو فيقاروس , وبعض فلاسفة اليونان القدامى ووصفهم بالقطبانية وغيرهم فأقول وهل ذكر الشيخ الأكبر أحدا نال منهم قطبانية في عصر الإسلام وهل سمعتم بفيلسوف كان قطب الوجود في زمانه في أمّة سيدنا محمد.

 وهل سمعتم إسنادا في الفلسفة عن النبي صلى الله عليه وسلّم , فالدين بالإسناد والسلسلة والرابطة التي تربطك برسول الله صلى الله عليه وسلّم فأين روابط وأسانيد الفلاسفة وعلومهم ووارداتهم وأين تحقيقات إشراقاتهم كما يدّعون ثمّ هل جاء ذكرهم في القرآن أو شهدت لهم السنّة بذلك.

وما دليل قول الشيخ الأكبر بأن هذا واقع فعلا ومن قال بأنّ ذلك لم يدسّ عليه في كتبه وهل يعقل أن يصف الفلاسفة بالقطبانية فأين ذكرهم إذن لأحكامهما وعلومها وأين توحيدهم فيها وأين ذكرهم للحقيقة المحمدية فمن أين كان سيرهم وإلى أين إنتهى؟

 أم أنهم ساروا بالجذب وبقوا بالجذب وأين أحكام كرامات جذبهم وأين طرقهم وشرع تسليكهم وأين مريديهم وسلاسل إسنادهم ورواية كتبهم وما نتيجة علمهم وثماره في الإنسانية ونحن نرى ما عليه الغرب اليوم الذي ما نقل لنا غير فلسفة بعض الرموز كأفلاطون وسقراط وأرسطو أو جالينوس أعني القدامى منهم وقد إفترقوا في ذلك مذاهب عديدة من حيث الإيمان والكفر ومن حيث المراتب والإيمان بها كالرسل والكتب والملائكة وو...إلخ.

ولا يمكن أن أدّعي بأنّ كلّ ما قالوه باطل بل ما كان منه حقّا قلنا بأنّه حقّ وما كان باطلا وما أكثره في كتبهم قلنا بأنّه باطل لذا حذّر أهل الشريعة وبعض من المنصفين من أهل الله تعالى من كتب كتفسير البيضاوي الذي مزجه بالفلسفة وكذلك لا بد من إعتبار فتاوى العلماء من حيث تحريم أو تجويز تعلّم علم المنطق.

 والعلماء قالوا الأسلم عدم التوغّل في ذلك إلا لمن كان ناشط القريحة سريع البديهة كما نص على ذلك النووي والغزالي الذي يعتبره مقياس العقول كالنحو في اللسان وقال لا ثقة في علم من لم يدريه , والآن المدارس الشرعية قائمة على تدريس اللازم منه كالسلّم للأخضري وغيره.

وإنّما قلنا هذا سدّا لهذا الباب الذي أخطأ فيه أقوام لا يستهان بهم من حيث المستوى والدرجة العلمية وما أحسن ما فعل إبن رشد لمّا إستدعى الشيخ الأكبر ليتدارس معه فيما وصل إليه من الحكم بالقياس والعقل فيمضيه له الشيخ الأكبر أو يردّه بميزان الكشف الصحيح والوهب الإلهي الصافي من حيث تصحيح العقائد والتدقيق في دلالاتها لأنّه حمّالة لها وهي مركوبها الذي تسير عليه إلى شاطىء السلامة.

وإنّ الذي كان يدفع لدراسة فلسفة الكفر في المسلمين هم الغرب أنفسهم بعدما كفروا بالله ورسوله حتّى أنّ أحد أصدقائي وكنت أدرس معه في نفس المعهد وكان له أستاذ في الفلسفة يدرّسه مادّتها فذكر لهم أقوال ( هيقل ) في فلسفة الأسرة فخرج هذا التلميذ عن طور عقله وأعجب بذلك لحدّ الجنون فعكف على كتبه حتى وصل إلى درجة كاد أن ينفي فيها وجود الله تعالى.

 بل منهم من يقرأ الفلسفة ثمّ يرفع بصره إلى السماء ويسبّ الجلالة إلحادا وكفرا وإستهزاءا بالكتب والرسل ويقول في نفسه ربّما : أنا أنقذت نفسي من الجهل الواقع في من يؤمن بالله ورسوله وهكذا ..لذا مرّة سألت أحد المسلمين ممن يدرسون في الخارج فقلت له : هل تعرف أصل الإنسان ؟ فقال لي مباشرة : أصله قرد , مع أن هذا المسلم من أمة سيدنا محمد ويصلي ..إلخ.

لهذا إنّ الذين تصدّروا الآن في تنقية البرامج التعليمية وتسيير المناهج التربوية في الأمّة أغلبيتهم من المنحرفين عقيدة وسلوكا لذا كثر ضررهم في الناس فتخلّفت الأمّة العربية والإسلامية عن الركب العالمي فكثر فيها الجهل وتفشى التخلّف في أجلى مظاهره وكثرت العشوائية والبدائية والسطحية مبلغا عظيما وما قولي إلا أنّها فوضى في الأمّة بكلّ المقاييس , وبما أن الإنسان العربي تغلبه الشهوة جدّا وتمتلكه العاطفة فهو بينهما يسعى من المهد إلى اللحد فهو أعمى غير بصير عقليّا فضلا عن القلب والروح لذا فلو قدم المسيخ الدجال الآن لوجد الأمر ممهّدا وهذا ما سيحصل فعلا لأنه لن يخرج قبل التمهيد له مثله مثل المهدي الذي يمهّد له العبد القحطاني.

وإنّ السلوكيات التي نراها الآن في المجتمع المسلم إنّما سببها البعد عن روح الدين الإسلامي وعن تعاليمه فأضحت اليوم اللغات الحيّة حيّة في قلوب الأموات وأصبحت اللغة الأمّ ( أمّ القرى ) وهي العربية ميّته في قلوب الأحياء فعمّت مفاهيم الفلسفة في الطبقة الدارسة وقلّت علوم الدين في الأمّة فقلّما تجد في قرية واحدة أكثر من عالم أو عارف , فلا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.


هذا سيدي تمهيد أخذتني فيه الغيرة مهّدت به السؤال لأنه سؤال سلوكي.


أرجع فأقول :

بأنّ السلوك في طريق الله تعالى وطي المسافات وذلك بإكتساب الأحوال والمقامات والتحقّق بها لا يكون إلا بحسب أصول الكتاب والسنّة ومن قال غير هذا لا يقبل منه
قال تعالى : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) وفي القرآن جميع مراتب السلوك من البداية إلى النهاية لقوله تعالى ( وأنّ إلى ربّك المنتهى ) فهذا الطريق إليه ومن دلّك على غيره فيبغونها عوجا.

وأكيد أنّ سلوك الإنسان إلى معرفة مولاه يبدأ أوّلا بالتخلية , وهذه التخلية هي تخلية القلب من الرذائل والأوصاف الذميمة وهي الفواحش الباطنية المذكورة في الآية : (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن ) ( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ).

فهذه الآيات فيها دلالة واضحة على أنّ للباطن فواحش كما للظاهر تماما , ولكن فواحش الباطن أشدّ سوء وأكثر فحشا وأعسر علاجا لأنّ تعلّقها بالقلب الذي هو محلّ الإيمان وجميع واردات الأنوار من مقامات وأحوال وعلوم ومعارف وفيوضات ..إلخ.

 امّا الظاهر فهو عنوان الباطن , وإنّما جعلت عبادات الظاهر ليستقيم بها الباطن وجعلت عبادات الباطن ليستقيم بها الظاهر , فالحالة الأولى حالة أهل الجذب فهم من الباطن إلى الظاهر والحالة الثانية وهي الحالة العامّة حالة أهل السلوك الذي هو موضوعنا.

 لذا فالمؤمن حاله بين الجذب وبين السلوك فلا يطغى هذا على هذا بين شريعة وحقيقة وبين ذكر ومذاكرة وبين علم وحكمة وهكذا وهذا معنى الوسطية الحقيقية في دين الإسلام وقد كان عليه الصلاة والسلام يحبّ التوسّط في كلّ شيء , وليست الوسطية الحقيقية كما يفهمها الناس اليوم من إعتبار التراخي في الأعمال أو الميل إلى الراحة أو التفلّت والتفريط بحجج واهية ..إلخ بل الوسطية هي الصراط المستقيم فلا يغلب خوفك رجاءك ولا رجاؤك خوفك فلا تميل ولا إفراط ولا تفريط ولا تنطّع ولا تفلّت فهذه الوسطية والإعتدال الحقّ ليس كما تزعمه أمريكا في تفسيرها للإعتدال.

ولإزالة هذه الأمراض القلبية والأحوال الشيطانية والنفسانية من قلب الإنسان شرّع الله تعالى هذا الدين وبيّن فيه الدواء لكلّ حالة من الحالات وجعل مربّين وأطبّاء قلوب وأرواح يصفون للمريض هذا الدواء.

أمّا الدواء فهو من الله تعالى لأنّه النافع والضار فلا يمكن لدواء أن يشفي إلا بإذن الله تعالى وبفعله وبقدرته وبمشيئته لذا دلّ العباد عليه وذلك بإنزال الرسل والكتب والعلم والنور والبيان , لأنّ الإنسان أبتلي بالنفس والشيطان والدنيا والهوى فلا بدّ له من علاج لمرضه بحسب ما إنتابه من تلك الأمراض والعلل من مصدر حضراتها.

فكان ذكر الله تعالى هو العلاج النافع لتلك الأمراض فلا يوجد علاج غيره فكلّ من تركه فهو مريض أحبّ أم كره والذكر أنواع كثيرة لذا أمرنا بالكثرة منه.

والذاكرون الله تعالى إلى قسمان : أهل تبرّك في الذكر , وأهل سلوك في الذكر
وأهل السلوك إلى ثلاثة أنواع : أهل تسبّب , وأهل تجرّد وأهل التوسّط بين التجرّد والتسبّب , فهذه مدارسهم ولكلّ مدرسة أحكامها أصولا وفروعا يعرفها أهل التربية.

أمّا الذكر بالنسبة للمريد سيدي الفاضل فهو العلاج لإشراق قلبه وتنوّره وتخليصه من الأوصاف الذميمة , بمعنى أن الذاكر كلّما ذكر فهو في المثال كمن أخذ ثوبا أبيض سوّدته الأوساخ كثيرا وشرع في غسله , وهنا لا بدّ من تحقّق أمرين أساسيين لينفع الغسل هما :

الغاسل يجب أن يكون عارفا بمهنة الغسل والتنظيف , ثانيا : أن يكون الصابون ومادّة الغسل ناجعة.

فلا بدّ في ذلك من معرفة بشروط الذكر من خشوع وحضور وتوجّه وصدق وتعطير المكان وغسل الفم والتعطّر ..إلخ كما ذكر الغزالي في الإحياء.

والشرط الثاني : أن يكون الذكر مأذونا ومن الكتاب والسنّة.

فكلّما تحقّق هذان الشرطان كان المريد سريع السير فلربّما يكون سلوكه في سنة أو أقلّ أو أكثر بقليل رغم أن السلوك بحسب علمنا لا يزيد عن سنة ونصف السنة أعني السلوك العادي عن طريق شيخ وارث حقيقي مأذون.

فالذكر في البداية كما قال ساداتنا تكون أنواره بروق وهي أنوار تشاهد في الآفاق مثل نور البرق فسريعا ما يختفي لكنّه يترك أثرا في القلب وشبه السكينة وهكذا شيئا فشيئا إلى أن يصير لوامع أو طوالع وهكذا يكابد المريد هذه المراحل التي حكاها لنا ساداتنا ولم نذقها بعد أسأل الله تعالى أن يذيقنا إياها ويحلّينا بها , وهكذا تتبدّل الأوصاف الذميمة الظلامية وتحلّ محلّها الأوصاف الحميدة النورانية , فالنور معناه الأوصاف الحميدة والظلمة هي الأوصاف الذميمة لذا عبّروا عنها بالتخلية والتحلية.

 فمتى تحقّق هذا المقام وكمل الإيمان جاءت أنوار الإيقان بعد أنوار الإيمان بحسب إصطلاح أهل الطريقة فيتغيّر حال المريد وهناك تصبح الأحوال تأتيه فلا يحسّ للعمل مشقّة بل ولو ذكر الله تعالى من الصبح إلى المساء ما أحسّ بتعب ولا شيء من ذلك وقد قال الجنيد ( كنت أتوقّف في قولهم : يصل الذاكر درجة أن لو قطع رأسه بالسيف ما أحسّ بذلك فوجدت الأمر كما قالوا ) وقد صار هذا الحال لعبد الله بن عمرو بن العاص لمّا هجر فراش زوجته وإنعكف للذكر كما في الأحاديث فردّه رسول الله إلى العلم لأنه مربيهم فكان يتعاهدهم وهذه مهمّة الشيخ الوارث.

فإن الأحوال تنائج الأعمال الصحيحة.

بالنسبة لمن فقد الحال قال الله تعالى له : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) فخشوع القلب هو الحال.

وقال بالنسبة لمن وجد الحال : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللًّهِ الا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) وهؤلاء أهل الأنوار.

وقال لأهل المقامات : ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ).

وفي هذه الآيات الكريمة تفصيل لجميع مراتب الذكر بدقائقه.

ثمّ هناك أمرا لا بدّ من ذكره وهو أنّه هناك فرقا بين هذا الذكر الذي في الآيات وهو ذكر السالكين إليه سبحانه ولا يخفى أن بين طيّاته وسطوره ذكرى للذاكرين من أهل المعرفة الكبرى والفتح الكبير , هناك فرق بين عالم الأنوار هذا وهو يكون نتيجة الذكر وبين عالم الأسرار وهو نتيجة الفضل ( يختصّ برحمته من يشاء ).

فالذاكر يصل في عالم الأنوار إلى أن يكاشف بالجنّة بقلبه لأن الذكر وهو النور أصبح وصفا له فإستغرق جلده وقلبه وعقله قال عليه الصلاة والسلام ( ....وإجعلني نورا ..الحديث ).

وهنا يمكن لصاحب هذا المقام أن يرى بكشفه الصحيح أرواح الأنبياء سواء في المنام أو بين النوم واليقظة إلى غير ذلك من هذا الحكم وكلّ هذا وغيره ليس دليلا على أن صاحب هذا المقام من المفتوح عليهم بالفتح الكبير فرؤية النبيّ صلى الله عليه وسلّم يقظة تسبق الفتح الأكبر وكيف لا يسبق الكشف المشاهدة فهذا محال في حقّ السالك ولا كلام لنا عن المجذوب.

فهذا الذكر سيدي وغيره مما هو معلوم في الشريعة والطريقة هي مقدّمات ومقتضيات للإستعداد للفتح الكبير الذي لا يكون إلا وهبا من الله تعالى.

فأصحاب هذه المرتبة في الأنوار هم أهل الولاية الصغرى وهم كثر وخاصّة في بلاد الشام.

أمّا أصحاب المرتبة العليا وهم أهل الفتح الكبير فأغلبهم في المغرب العربي لأنهم أهل السلوك ولا نقول هذا بعاطفة ولكنّها الحقيقة.

نعم فيوضات الأنوار يأتي بها الذكر , ولكن فيوضات الأسرار لا يأتي بها إلا الوهب.

فكم من مفتوح عليه بالفتح الكبير لم يذكر الله تعالى إلا النزر القليل وذلك لشفافية الروح وسيولتها وصفاء القلب وسلامته , فمن الناس من يأتي إلى الشيخ أسود القلب أظلم الروح فيطول به العلاج كثيرا وقلّما يخرج صافي مصفّى حتى بعد الذكر ( والناس معادن ) لذا هناك أناس يصلحون للتربية وهناك آخرون يصعب علاجهم ومحطّ أنظار المشائخ على من يصلح للتربية أكثر من غيره.

فالذكر له ثمن وجزاء ومقابل وهي الأنوار وبعض الجوائز الأخرى في الدنيا والآخرة كتكثير الرزق وتنوير الوجه وهكذا من هذا , فكلّ من ذكر فسينال أجره ولكن يجب على المريد أن يكون صادقا في ذكر لا يطلب به سوى وجه معبوده لأنّ الذكر مهما نويت به شيئا نلته.

أمّا الفتح الكبير فهو خاصّ بأهل الله الكبار الذين يعسر جدّا أن نفهم محطّاتهم.

قال الشيخ الأكبر أو غيره ( لقد تركنا البحار الزاخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أين توجّهنا ) ففي هذا المقام ينفرد كلّ وليّ بخصوصية لا تكون لوليّ آخر في زمنه.

( إلهي إن ذكرت فقد ذكرتني وإن جلست فقد أجلستني , وإن أحببت فقد أحببتني , فلا تجعل ذكري تجارة , ولا تجعل جلوسي خسارة , ونزّه محبّتي ولا تعللها لعلّتي ).

والله تعالى ورسوله أعلم


وبالله التوفيق 

شارك هذه الصفحة وتابعنا على صفحاتنا الرسمية
شارك الموضوع →
تابعنا →
إنشر الموضوع →

0 التعليقات:

إرسال تعليق

È