بسم الله الرحمان الرحيم
قال تعالى ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).
فبشّر ابنه عليه السلام بمقامه فأوضحه له وفصّله وأنّه مجتبى عليه السلام من دون سائر إخوته في هذا الخصوص الذي قصّه في الرؤيا فأوّلها له عليه السلام من حيث شأنها العام أمّا تفصيل ذلك ما علمه يعقوب وإنّما معرفة التفصيل حصل بعد أن تمّت نعمة الله تعالى على آل يعقوب لمّا قال يوسف ( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ).
فعلم أنّ في رؤيا يوسف إجتباء له وأنّ العلم الذي اختصّه الله تعالى به هو علم تأويل الأحاديث والرؤى وعلم أنّ نعمة الله تعالى متمها الله تعالى عليه وعلى جميع آل يعقوب بما فيهم إخوته بعد أن سجدوا له كما في الرؤيا دلالة اعترافهم فما عاندوا بعد ظهور فضله عليهم كما قالوا ( قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ) فما أجمل وأحسن هذا الإعتراف منهم عليهم السلام فما عاندوا كما عاند إبليس لعنه الله تعالى بعد أن ظهرت خصوصية آدم وإجتباء الله له عليه في قوله تعالى ( وعلّم آدم الاسماء كلّها ).
فكانت الرؤيا تحكي أوّلا ( الإجتباء ) كما قال يعقوب ( وكذلك يجتبيك ربك ) والمراد هنا قطبانية يوسف عليه السلام ثمّ ذكر ثانيا ( جنس العلوم والمعارف ) التي أختصّ الله تعالى بها يوسف وهي علم تأويل الأحاديث والرؤى وهو علم تعبير الرؤى فكان فيها النجم الذي لا يلحق فإنّ العلوم الوهبية حالها كالعلوم الكسبية من حيث الإختصاص ...
لذا قال يوسف ( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) فما نسي تلك الرؤيا التي مرّ عليها عشرات السنين بل استحضرها بمجرّد أنّ جمعه الله تعالى مع أبيه وإخوته وهو في حالة الملك وثالثا ( تمام النعمة ) من حيث يوسف بداية ثمّ بسببه هو نهاية أتمّ الله تعالى نعمته على آل يعقوب لذا قال له تحديدا ( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ ) أي يتمّ نعمته عليك في مقامك وخصوصيتك التي آتاكها الله تعالى فأفرده لحاله بتمام النعمة وهو يشير إلى حسن تأويل يعقوب وصدقه عليهم جميعا السلام ثم تمام النعمة على جميع آل يعقوب وهذا ما حصل .
ثمّ ذكر له أنّ تمام النعمة سيكون إرثا من الآباء وهما إبراهيم وإسحاق فكما ألحق الأبناء بالآباء , وإنّما ذكر إبراهيم قبل ذكره إسحاق الذي هو أبوه لما يعطيه الأدب وترتيب المراتب فكأنّ نسبته لإبراهيم أظهر من نسبته لإسحاق فإنّ الخطاب لمّا توجّه إلى سارّة زوجة سيدنا إبراهيم عليه السلام بشرت بإسحاق كما بشّرت بيعقوب رغم أنّ يعقوب كان حفيدها كما قال تعالى ( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) فكان مدد ساداتنا يوسف ويعقوب وإسحاق من مدد سيدنا إبراهيم إذ جاءت بهم البشرى لذا قال له منبّها ( كما أتمّها من قبل على أبويك إبراهيم وإسحاق ).
لذا قال سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في حقّ يوسف هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.
أما يعقوب فما ذكر تمام النعمة عليه بل كنّى في قوله ( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ ) فما قال يتمّها على يعقوب لأنّ تمام نعمته لا يكون إلاّ بتمام نعمة الله تعالى على آل يعقوب التي لن تتم إلاّ بتمامها على يوسف لذا أفرده في قوله كما قدمنا (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) هذا كي تعلم قدر وفخامة مقام آل بيت النبيّ عليه الصلاة والسلام.
ثمّ في البشرى التي بشّرت بها الملائكة سارّة عليها السلام فأنّها بشّرت بإسحاق ثمّ أردفت بيعقوب بشرى لها أن نسبها لن ينقطع كونها عاقر فلن يرث أبناؤها من حالها .. بل سيرثون من حال آبيهم إبراهيم .. فكان ميراث الأبناء من الأجداد أمر معروف مشهور ومن هنا اعتنى أهل الله تعالى بآل مشائخهم بل قال سيدنا إسماعيل رضي الله عنه ( أنا لا أحبّ فقط أهل مدينة قصيبة المديوني بل أحبّ حتّى قطط تلك المدينة لمحبّتي لشيخي سيدي محمد المداني رضي الله عنه ) نقلته بالمعنى.
فطب نفسا يا أخي بطريقة الصالحين فهي والله ميراث لطريقة الأنبياء والمرسلين وقل معي بقولهم ( هؤلاء آبائي فجئني بمثلهم --- إذا جمعتنا يا جرير المجامع ).
فهذا علم يعقوب الثابت من رؤيا إبنه ما تزحزح عنه طرفة عين وإنّما الذي وقع منه خلال غيبة يوسف هي أحوال سنذكرها إن شاء الله تعالى بتفاصيلها كي تعلم الفرق بين العلم الثابت وبين الحال الوارد لهذا كان يقول عليه السلام ( يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) ثابت القدم في حضرة القدم ...
قال تعالى ( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ).
أمّا غير السائلين فلا آيات لهم في قصّة يوسف وإخوته.
( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).
بعد أن قصّ سيّدنا يوسف رؤياه على أبيه سيدنا يعقوب عليهما السلام فهم من الرؤيا ما فهمه يوسف منها من حيث الإجتباء والتقدّم على إخوته ومن حيث علم تأويل الأحاديث ومن حيث تمام النعمة بما أنّ الله تعالى علّمه تأويل الأحاديث والرؤى وإنّما قال له ناهيا ( قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا ) لما يعلمه من علم يوسف بتأويل الأحاديث والرؤى فلو قصّها على إخوته لكان أوّلها لهم بمعرفته أو أنّهم سيفهمون منها ما فهمه يعقوب منها.
فكان حاصل الأمر ثلاثة أمور أفصحت عنها الرؤيا أوّلها ( الإجتباء ) متى علمت طريقه وأنّه لا يكون إلاّ بدفع مهره فلا يكون هناك إجتباء إلاّ بإبتلاء قال عليه الصلاة والسلام ( أشدّكم بلاء الأنبياء ثمّ الصالحون ثمّ الأمثل فالأمثل ) فإنّ كلّ خصوصية أو مرتبة لها مهر فأنبأه بداية بتحمّل إبتلاءات الإجتباء كونها صقالة تصقل القلوب وامتحانات الإصطفاء كونها تربية توقف العبد عند حدود الأدب .
فما قال له بداية مثلا ( يعلّمك ويجتبيك ) بل قال كما في الآية بترتيبها (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) وثانيها ( التعليم ) وهو أمر عام وإنّ خصّصت فنونه فذكر له الأمر الخاص من حيث العلم الخاص فهذا الذي امتاز به على غيره بعد أن شاركهم في الكثير ممّا هم فيه متى علمت أنّ سيّدنا يوسف عليه السلام نبيّ من الأنبياء كما قال تعالى من حيث درجات تفضيل الرسل ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) فكان عليه الصلاة والسلام أفضل المرسلين لأنّ التفضيل لا يكون إلاّ بالعلم خاصّة كما قال تعالى في تفضيل آدم عليه السلام وتكريمه على الملائكة ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ) وقال تعالى ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) وقال تعالى ( وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) لذا قال لسيّد المرسلين عليه الصلاة والسلام ( وقل رب زدني علما ).
ثمّ ثالثها ( إتمام النعمة ) وهي النبوّة في مظاهر تمام نورها وظهورها كما قال تعالى في حقّ سيّد المرسلين عليه الصلاة والسلام ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ) فنصر الأنبياء وعلى اثارهم الأولياء يكون حليفهم في النهاية مهما طال بهم الإبتلاء لهذا قال له ( كما أتمّها من قبل على أبويك إبراهيم وإسحاق ) في إشارة هنا أنّ تمام النعمة صحّت لإسحاق بتبعيته لأبيه إبراهيم وهكذا أنت يا يوسف فلن تتمّ نعمة الله تعالى عليك إلاّ بالتبعية لي ...
فصرّح هنا يعقوب عليه السلام لإبنه ما سيكون عليه أمره بداية ووسطا ونهاية فأوّله إجتباء ووسطه تعليم ونهايته إتمام نعمة لقوله تعالى ( والله متمّ نوره ولو كره الكافرون ) لأنّ النور متى صدر من حضرة الجمال لا بدّ له من التمام والكمال وكذلك الأمر ميراثا نبويّا لكلّ الأولياء فيكون الأمر في حقّهم بداية إجتباء ثمّ تعليما وسطا ثمّ اتمام نعمة نهاية وإزاء هذا معبّرا عنه في طريقة الصالحين أنّ الأمر بدايته شريعة لتعبده ثمّ طريقه وهو التعليم لتقصده ثمّ حقيقة لتشهده فتشكره لأنّ غايتك من طلب مشاهدته هو اللقاء في عالم البقاء لتشكره بثنائه على نفسه سبحان كما قال عليه الصلاة والسلام ( أنت كما أثنيت على نفسك ).
وهذا لا يكون إلاّ عند المشاهدة وهو قوله تعالى ( فاذكروني أذكركم ) أي أفنيكم في محبّتي عند ذكري ثم قال تعالى ( واشكروا لي ولا تكفرون ) أي اشكروا لي بلساني بعد أن أفناكم الذكر في المذكور فتمّ اللقاء والحضور لذا قال ( ولا تكفرون ) أي تمام تلك النعمة التي هي كما قدّمنا نعمة الإجتباء ونعمة التعليم ونعمة تمام النور في عالم الحضور قال تعالى ( وأمّا بنعمة ربّك فحدّث ) قال تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم ) لأنّ الله تعالى لا يؤتيك نعمه منقوصة بل لا بدّ أن يتمّها عليك قال تعالى ( وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها ) قال شيخنا رضي الله عنه ( أي لا تحصوها مددا ولا عددا ) فكيف إذن بالقدرة على توفية حقّ شكرها لذا قال عليه الصلاة والسلام ( لا أحصي ثناءا عليك أنت كما أثنيت على نفسك ).
يتبع إن شاء الله تعالى ...
قال تعالى ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).
فبشّر ابنه عليه السلام بمقامه فأوضحه له وفصّله وأنّه مجتبى عليه السلام من دون سائر إخوته في هذا الخصوص الذي قصّه في الرؤيا فأوّلها له عليه السلام من حيث شأنها العام أمّا تفصيل ذلك ما علمه يعقوب وإنّما معرفة التفصيل حصل بعد أن تمّت نعمة الله تعالى على آل يعقوب لمّا قال يوسف ( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ).
فعلم أنّ في رؤيا يوسف إجتباء له وأنّ العلم الذي اختصّه الله تعالى به هو علم تأويل الأحاديث والرؤى وعلم أنّ نعمة الله تعالى متمها الله تعالى عليه وعلى جميع آل يعقوب بما فيهم إخوته بعد أن سجدوا له كما في الرؤيا دلالة اعترافهم فما عاندوا بعد ظهور فضله عليهم كما قالوا ( قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ) فما أجمل وأحسن هذا الإعتراف منهم عليهم السلام فما عاندوا كما عاند إبليس لعنه الله تعالى بعد أن ظهرت خصوصية آدم وإجتباء الله له عليه في قوله تعالى ( وعلّم آدم الاسماء كلّها ).
فكانت الرؤيا تحكي أوّلا ( الإجتباء ) كما قال يعقوب ( وكذلك يجتبيك ربك ) والمراد هنا قطبانية يوسف عليه السلام ثمّ ذكر ثانيا ( جنس العلوم والمعارف ) التي أختصّ الله تعالى بها يوسف وهي علم تأويل الأحاديث والرؤى وهو علم تعبير الرؤى فكان فيها النجم الذي لا يلحق فإنّ العلوم الوهبية حالها كالعلوم الكسبية من حيث الإختصاص ...
لذا قال يوسف ( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) فما نسي تلك الرؤيا التي مرّ عليها عشرات السنين بل استحضرها بمجرّد أنّ جمعه الله تعالى مع أبيه وإخوته وهو في حالة الملك وثالثا ( تمام النعمة ) من حيث يوسف بداية ثمّ بسببه هو نهاية أتمّ الله تعالى نعمته على آل يعقوب لذا قال له تحديدا ( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ ) أي يتمّ نعمته عليك في مقامك وخصوصيتك التي آتاكها الله تعالى فأفرده لحاله بتمام النعمة وهو يشير إلى حسن تأويل يعقوب وصدقه عليهم جميعا السلام ثم تمام النعمة على جميع آل يعقوب وهذا ما حصل .
ثمّ ذكر له أنّ تمام النعمة سيكون إرثا من الآباء وهما إبراهيم وإسحاق فكما ألحق الأبناء بالآباء , وإنّما ذكر إبراهيم قبل ذكره إسحاق الذي هو أبوه لما يعطيه الأدب وترتيب المراتب فكأنّ نسبته لإبراهيم أظهر من نسبته لإسحاق فإنّ الخطاب لمّا توجّه إلى سارّة زوجة سيدنا إبراهيم عليه السلام بشرت بإسحاق كما بشّرت بيعقوب رغم أنّ يعقوب كان حفيدها كما قال تعالى ( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) فكان مدد ساداتنا يوسف ويعقوب وإسحاق من مدد سيدنا إبراهيم إذ جاءت بهم البشرى لذا قال له منبّها ( كما أتمّها من قبل على أبويك إبراهيم وإسحاق ).
لذا قال سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في حقّ يوسف هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم.
أما يعقوب فما ذكر تمام النعمة عليه بل كنّى في قوله ( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ ) فما قال يتمّها على يعقوب لأنّ تمام نعمته لا يكون إلاّ بتمام نعمة الله تعالى على آل يعقوب التي لن تتم إلاّ بتمامها على يوسف لذا أفرده في قوله كما قدمنا (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) هذا كي تعلم قدر وفخامة مقام آل بيت النبيّ عليه الصلاة والسلام.
ثمّ في البشرى التي بشّرت بها الملائكة سارّة عليها السلام فأنّها بشّرت بإسحاق ثمّ أردفت بيعقوب بشرى لها أن نسبها لن ينقطع كونها عاقر فلن يرث أبناؤها من حالها .. بل سيرثون من حال آبيهم إبراهيم .. فكان ميراث الأبناء من الأجداد أمر معروف مشهور ومن هنا اعتنى أهل الله تعالى بآل مشائخهم بل قال سيدنا إسماعيل رضي الله عنه ( أنا لا أحبّ فقط أهل مدينة قصيبة المديوني بل أحبّ حتّى قطط تلك المدينة لمحبّتي لشيخي سيدي محمد المداني رضي الله عنه ) نقلته بالمعنى.
فطب نفسا يا أخي بطريقة الصالحين فهي والله ميراث لطريقة الأنبياء والمرسلين وقل معي بقولهم ( هؤلاء آبائي فجئني بمثلهم --- إذا جمعتنا يا جرير المجامع ).
فهذا علم يعقوب الثابت من رؤيا إبنه ما تزحزح عنه طرفة عين وإنّما الذي وقع منه خلال غيبة يوسف هي أحوال سنذكرها إن شاء الله تعالى بتفاصيلها كي تعلم الفرق بين العلم الثابت وبين الحال الوارد لهذا كان يقول عليه السلام ( يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) ثابت القدم في حضرة القدم ...
قال تعالى ( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ).
أمّا غير السائلين فلا آيات لهم في قصّة يوسف وإخوته.
( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ).
بعد أن قصّ سيّدنا يوسف رؤياه على أبيه سيدنا يعقوب عليهما السلام فهم من الرؤيا ما فهمه يوسف منها من حيث الإجتباء والتقدّم على إخوته ومن حيث علم تأويل الأحاديث ومن حيث تمام النعمة بما أنّ الله تعالى علّمه تأويل الأحاديث والرؤى وإنّما قال له ناهيا ( قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا ) لما يعلمه من علم يوسف بتأويل الأحاديث والرؤى فلو قصّها على إخوته لكان أوّلها لهم بمعرفته أو أنّهم سيفهمون منها ما فهمه يعقوب منها.
فكان حاصل الأمر ثلاثة أمور أفصحت عنها الرؤيا أوّلها ( الإجتباء ) متى علمت طريقه وأنّه لا يكون إلاّ بدفع مهره فلا يكون هناك إجتباء إلاّ بإبتلاء قال عليه الصلاة والسلام ( أشدّكم بلاء الأنبياء ثمّ الصالحون ثمّ الأمثل فالأمثل ) فإنّ كلّ خصوصية أو مرتبة لها مهر فأنبأه بداية بتحمّل إبتلاءات الإجتباء كونها صقالة تصقل القلوب وامتحانات الإصطفاء كونها تربية توقف العبد عند حدود الأدب .
فما قال له بداية مثلا ( يعلّمك ويجتبيك ) بل قال كما في الآية بترتيبها (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) وثانيها ( التعليم ) وهو أمر عام وإنّ خصّصت فنونه فذكر له الأمر الخاص من حيث العلم الخاص فهذا الذي امتاز به على غيره بعد أن شاركهم في الكثير ممّا هم فيه متى علمت أنّ سيّدنا يوسف عليه السلام نبيّ من الأنبياء كما قال تعالى من حيث درجات تفضيل الرسل ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) فكان عليه الصلاة والسلام أفضل المرسلين لأنّ التفضيل لا يكون إلاّ بالعلم خاصّة كما قال تعالى في تفضيل آدم عليه السلام وتكريمه على الملائكة ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ) وقال تعالى ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) وقال تعالى ( وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) لذا قال لسيّد المرسلين عليه الصلاة والسلام ( وقل رب زدني علما ).
ثمّ ثالثها ( إتمام النعمة ) وهي النبوّة في مظاهر تمام نورها وظهورها كما قال تعالى في حقّ سيّد المرسلين عليه الصلاة والسلام ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ) فنصر الأنبياء وعلى اثارهم الأولياء يكون حليفهم في النهاية مهما طال بهم الإبتلاء لهذا قال له ( كما أتمّها من قبل على أبويك إبراهيم وإسحاق ) في إشارة هنا أنّ تمام النعمة صحّت لإسحاق بتبعيته لأبيه إبراهيم وهكذا أنت يا يوسف فلن تتمّ نعمة الله تعالى عليك إلاّ بالتبعية لي ...
فصرّح هنا يعقوب عليه السلام لإبنه ما سيكون عليه أمره بداية ووسطا ونهاية فأوّله إجتباء ووسطه تعليم ونهايته إتمام نعمة لقوله تعالى ( والله متمّ نوره ولو كره الكافرون ) لأنّ النور متى صدر من حضرة الجمال لا بدّ له من التمام والكمال وكذلك الأمر ميراثا نبويّا لكلّ الأولياء فيكون الأمر في حقّهم بداية إجتباء ثمّ تعليما وسطا ثمّ اتمام نعمة نهاية وإزاء هذا معبّرا عنه في طريقة الصالحين أنّ الأمر بدايته شريعة لتعبده ثمّ طريقه وهو التعليم لتقصده ثمّ حقيقة لتشهده فتشكره لأنّ غايتك من طلب مشاهدته هو اللقاء في عالم البقاء لتشكره بثنائه على نفسه سبحان كما قال عليه الصلاة والسلام ( أنت كما أثنيت على نفسك ).
وهذا لا يكون إلاّ عند المشاهدة وهو قوله تعالى ( فاذكروني أذكركم ) أي أفنيكم في محبّتي عند ذكري ثم قال تعالى ( واشكروا لي ولا تكفرون ) أي اشكروا لي بلساني بعد أن أفناكم الذكر في المذكور فتمّ اللقاء والحضور لذا قال ( ولا تكفرون ) أي تمام تلك النعمة التي هي كما قدّمنا نعمة الإجتباء ونعمة التعليم ونعمة تمام النور في عالم الحضور قال تعالى ( وأمّا بنعمة ربّك فحدّث ) قال تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم ) لأنّ الله تعالى لا يؤتيك نعمه منقوصة بل لا بدّ أن يتمّها عليك قال تعالى ( وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها ) قال شيخنا رضي الله عنه ( أي لا تحصوها مددا ولا عددا ) فكيف إذن بالقدرة على توفية حقّ شكرها لذا قال عليه الصلاة والسلام ( لا أحصي ثناءا عليك أنت كما أثنيت على نفسك ).
يتبع إن شاء الله تعالى ...





0 التعليقات:
إرسال تعليق